أكد المنتخب المغربي مرة أخرى أنه لم يعد رقما عابرا في خريطة كرة القدم العالمية، بعدما نجح في تجاوز منتخب هولندا في مباراة قوية ومشحونة امتدت إلى الأشواط الإضافية، قبل أن يحسمها بركلات الترجيح بنتيجة 3-2، عقب نهاية اللقاء بالتعادل هدفا لمثله، وكان هذا العبور ثمرة شخصية جماعية صلبة، وإيمان واضح بالقدرة على العودة في أصعب اللحظات.
ولم يكن انتصار المنتخب المغربي مجرد تفوق في ركلات الحظ، بل كان عنوانا لقوة ذهنية وبدنية وتنظيمية أصبحت تميز “أسود الأطلس” في المواعيد الكبرى، فالفريق المغربي أبان عن قدرة لافتة على الصمود أمام منتخب أوروبي قوي، ورفض الاستسلام بعد التأخر في النتيجة، قبل أن يعيد المباراة إلى نقطة الصفر بهدف قاتل، ويقود المواجهة إلى سيناريو كشف معدن اللاعبين وحضورهم النفسي العالي.
وتبرز قوة المنتخب المغربي في كونه يجمع بين الانضباط التكتيكي والروح القتالية والثقة في المجموعة، إضافة إلى حضور لاعبين قادرين على صناعة الفارق في اللحظات الحاسمة، كما أن تألق الحارس ياسين بونو في ركلات الترجيح، وحسم إسماعيل الصيباري للركلة الفاصلة، يعكسان قيمة الخبرة والجرأة داخل فريق لم يعد يخشى الأسماء الكبرى، بل صار يواجهها بندية واستحقاق.
غير أن التحدي الحقيقي بعد ملحمة هولندا لا يقتصر على الاحتفال بالتأهل، بل يمتد إلى تدبير مرحلة الاستشفاء واسترجاع الطراوة البدنية قبل مواجهة كندا، فالمباراة الطويلة بما حملته من مجهود بدني وضغط نفسي واحتكاكات قوية، تفرض عملا دقيقا من الطاقم الطبي والبدني، من أجل إعادة اللاعبين إلى أعلى درجات الجاهزية، خاصة من خاضوا دقائق كثيرة أو عانوا من الإرهاق العضلي.
ويبدو أن المنتخب المغربي، بما راكمه من تجربة في البطولات الكبرى، يملك من النضج ما يسمح له بتدبير هذه المرحلة بحكمة، فالقوة لم تعد فقط في الأقدام بل في المنظومة كاملة: مدرب يعرف كيف يدير التفاصيل، طاقم طبي يراقب مؤشرات الجاهزية، لاعبون يملكون الانضباط، وجمهور يمنح الفريق طاقة استثنائية أينما حل.
وأمام كندا، سيدخل المنتخب المغربي المباراة بمعنويات مرتفعة، لكن أيضا بوعي أكبر بأن الأدوار الإقصائية لا تعترف إلا بمن يجمع بين التركيز النجاعة والقدرة على استثمار اللحظات الحاسمة، وإذا كان الانتصار على هولندا قد أكد قوة “أسود الأطلس”، فإن الموعد المقبل سيكون امتحانا جديدا لقدرة هذا الجيل على مواصلة كتابة فصل آخر من الحضور المغربي القوي في كأس العالم.