شريط الاخبار

حين تتحول السياسة إلى صراع إعلامي… لماذا يخسر الشباب الثقة في الفعل الانتخابي؟

لا يبدو أن أزمة العلاقة بين الشباب والسياسة تُفهم فقط من داخل الأحزاب أو داخل المؤسسات المنتخبة، بل تمتد أيضاً إلى الطريقة التي يُعاد بها إنتاج السياسة داخل الفضاء الإعلامي نفسه. فالإعلام، بما يملكه من قدرة على التوجيه والتأطير، لم يعد مجرد ناقل للحدث السياسي، بل أصبح شريكاً فعلياً في تشكيل صورة السياسة في الوعي العام، سواء نحو مزيد من الثقة أو نحو مزيد من النفور.

عند تتبع طبيعة التغطيات السياسية السائدة، يبرز نمط واضح يقوم على تكثيف لحظات الصراع والتجاذب. تصريحات متبادلة، سجالات حادة، خلافات ظرفية، وتوترات ظرفية تُقدَّم أحياناً باعتبارها المشهد السياسي الكامل. في المقابل، تتراجع المساحات المخصصة لشرح السياسات العمومية في عمقها، أو لتتبع أثر القرارات على حياة المواطنين بشكل ملموس. النتيجة أن السياسة تظهر في كثير من الأحيان كحلبة مواجهة دائمة، أكثر من كونها عملية إنتاج حلول.

هذا الاختزال لا يمر دون أثر. فجيل الشباب، الذي يتلقى جزءاً كبيراً من معارفه السياسية عبر المنصات الرقمية والمواقع الإخبارية، يخرج بانطباع مركّب: السياسة فضاء صاخب، متوتر، قليل الصلة بحاجاته اليومية. ومع تكرار هذا النمط من التغطية، يتعزز الشعور بأن ما يحدث في الواجهة السياسية لا ينعكس بالضرورة على الواقع الاجتماعي، سواء في التشغيل أو التعليم أو الخدمات العمومية.

المفارقة أن هذا الجيل نفسه لم يعد بعيداً عن السياسة. بل على العكس، هو جيل متابع ومشارك في النقاش العام، لكن عبر أدوات مختلفة وسرعة مختلفة. غير أن الإشكال يكمن في أن جزءاً من الإعلام ما يزال يعالج السياسة بمنطق الخبر الآني والصراع اللحظي، بدل منطق التفسير والتتبع والتحليل. وهنا يتسع الخلل في الفهم، ويتحول النقاش السياسي من مساحة وعي إلى مساحة انطباع سريع.

لا يتعلق الأمر فقط بما يُنشر، بل أيضاً بما لا يُنشر. فحين تغيب القصص المرتبطة بتأثير السياسات العمومية على حياة المواطنين، من إصلاحات التعليم إلى مشاريع البنية التحتية أو برامج الدعم الاجتماعي، يضعف الرابط بين القرار السياسي ونتيجته المباشرة. وفي هذا الفراغ، تنمو الصورة السلبية، ليس بالضرورة لأنها دقيقة، بل لأنها الأكثر حضوراً.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن جزءاً من الفاعلين السياسيين أنفسهم يساهم في هذا الاختزال، من خلال تغذية خطاب الصراع وتفضيل الواجهة على المضمون. لكن ذلك لا يعفي الإعلام من مسؤوليته المهنية في إعادة التوازن بين نقل الحدث وشرح معناه، وبين متابعة الخلافات وتوضيح أثرها على السياسات العامة.

المطلوب هنا ليس تبرئة طرف أو اتهام آخر، بل إعادة طرح سؤال الدور: هل يكتفي الإعلام بنقل السياسة كما هي، أم يساهم أيضاً في جعلها مفهومة وقابلة للاهتمام بالنسبة لجمهور لم يعد يقبل بالخطاب المبسط ولا بالصورة المجتزأة؟

في النهاية، الطريقة التي تُروى بها السياسة لا تقل أهمية عن السياسة نفسها. فحين تُقدَّم كصراع دائم، تُنتج نفوراً. وحين تُشرح كمنظومة قرارات تؤثر في الحياة اليومية، يمكن أن تعيد بناء جزء من الثقة المفقودة. وبين هذين النموذجين، يتحدد الكثير من موقف الشباب من المشاركة السياسية، ومن صناديق الاقتراع نفسها.

شارك المقال شارك غرد إرسال