اخر الأخبار

فرنسا تسجل والجزائر ترقص.. حين ينسى أيتام الإستعمار جماجم الشهداء نكاية في “الكبار”

في مشهد سريالي يخرج عن المألوف الرياضي ويضرب في عمق المنطق التاريخي، تحولت شوارع وفضاءات جزائرية إلى ساحات للاحتفال المفتعل، ليس ابتهاجاً بإنجاز وطني، بل شماتةً في خروج المنتخب المغربي من ربع نهائي كأس العالم 2026 على يد المنتخب الفرنسي. هذه المشاهد، التي وثقتها عدسات الكاميرات وتناقلتها منصات التواصل، تفتح الباب واسعاً أمام قراءة سيكولوجية وسياسية أعمق لواقع يبدو أنه بات محكوماً بـ”متلازمة المغرب”.

عقدة الجار والتغطية على الفشل

لم يكن الاحتفال الجزائري بإقصاء “أسود الأطلس” مجرد رد فعل رياضي عابر، بل هو، في جوهره، انعكاس لحالة من “الإسقاط النفسي” ومحاولة للهروب إلى الأمام من واقع كروي مرير. ففي الوقت الذي كان فيه المغرب يقارع الكبار ويبلغ ربع نهائي المونديال ممثلاً للقارة الإفريقية والعالم العربي، كان المنتخب الجزائري قد ودع المنافسات مبكراً من دور الـ32 بأداء باهت وحصيلة هزيلة خيبت آمال جماهيره.

بدل أن تتجه الآلة الإعلامية الجزائرية، ومن خلفها دوائر صنع القرار، نحو نقد الذات ومساءلة أسباب التراجع المخيف لكرة القدم في البلاد، اختارت الطريق الأسهل: تصدير الأزمة والبحث عن انتصار وهمي في هزيمة الجار. إن هذا السلوك يكرس حقيقة باتت واضحة للعيان؛ وهي أن النظام الجزائري يعيش حالة من الاستنفار الدائم والارتهان النفسي لكل ما هو مغربي، محولاً نجاحات الرباط—حتى في ميادين الجلد المدور—إلى تهديد وجودي، وإخفاقاتها إلى أعياد وطنية.

متلازمة المستعمر.. انفصام في الذاكرة والهوية

غير أن النقطة الأكثر إثارة للدهشة والاستغراب في هذه الاحتفالات، هي هوية الفريق “المنتصر” الذي هُلل له في الجزائر. لقد اختارت الجماهير، بوعي أو بدونه، الاصطفاف خلف فرنسا؛ القوة الاستعمارية التي جثمت على صدر الجزائر لأكثر من قرن وثلث القرن (132 عاماً)، تاركةً وراءها إرثاً دموياً وجراحاً لا تزال حاضرة في الخطاب الرسمي الجزائري الذي طالما تشدق بشعارات معاداة الاستعمار.

هنا تتجلى المفارقة الصارخة وحالة “الانفصام الهوياتي” في أبهى صورها: كيف يمكن لذاكرة جمعية تدّعي تقديس دماء الشهداء أن تحتفي بعلم المستعمر السابق، فقط نكايةً في جار يشاطرها الدين واللغة والدم والتاريخ؟

إن هذا التناقض العجيب يكشف عن خلل عميق في بوصلة الانتماء، ويوضح كيف نجحت الآلة الدعائية الرسمية على مدار سنوات في شيطنة المغرب إلى حد جعل شريحة من المواطنين تفضل “جلاد الأمس” على “أخ اليوم”. إنها حالة من العمى الأيديولوجي الذي يجعل العداء للمغرب هو المحدد الأساسي والمحرك الأول للمشاعر، حتى لو تطلب الأمر الرقص على إيقاع النشيد الوطني الفرنسي.

الرياضة كمرآة للسياسة

لا يمكن فصل هذه الاحتفالات الكروية عن سياقها السياسي الأوسع. إنها مجرد مرآة تعكس أزمة نظام يفتقد للمشروعية المنجزة، ويعتاش على افتعال الأزمات وتأجيج مشاعر العداء تجاه الخارج، وتحديداً المغرب، للحفاظ على تماسك داخلي هش.

في نهاية المطاف، سيُسجل التاريخ الرياضي أن المغرب وصل إلى دور الثمانية في كأس العالم 2026 بكل شرف وندية، وسيُسجل التاريخ السياسي والنفسي أن جارةً له عاشت ليلة كاملة من النشوة باحتفالات وكالة، متناسية إخفاقها الخاص، ومتنكرة لتاريخها الطويل، في مشهد يبعث على الشفقة أكثر مما يبعث على الغضب.

شارك المقال شارك غرد إرسال