صدمة الـ 20%.. مقاطعة تاريخية للانتخابات تعمق القطيعة بين الجزائريين والنظام

وجه الشعب الجزائري رسالة سياسية شديدة اللهجة للنظام العسكري الحاكم، عبر مقاطعة غير مسبوقة للانتخابات التشريعية التي لم تتجاوز نسبة المشاركة الأولية فيها 20.79 في المائة، لتُسجل بذلك كأدنى نسبة إقبال في تاريخ الجزائر الحديث.

هذا العزوف الشعبي الواسع، الذي أكدته تقارير إعلامية دولية، يعكس بوضوح اتساع الهوة السحيقة بين المؤسسات السياسية الشكلية وشريحة واسعة من المواطنين الذين فقدوا الثقة تماماً في وعود السلطة وإجراءاتها. وبحسب صحيفة “إلباييس” الإسبانية، فإن الأرقام الأولية الصادرة عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات فضحت حجم المقاطعة، حيث شارك أقل من ربع الهيئة الناخبة في الاقتراع، في حين ظلت هذه النسبة الهزيلة ثابتة دون تعديل يُذكر حتى منتصف نهار الجمعة، لتؤكد تراجعاً تاريخياً في شرعية العملية الانتخابية برمتها.

ولم تفلح الآلة الدعائية للنظام أو الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها السلطات قبيل موعد الاقتراع في تجميل المشهد أو استمالة الناخبين، إذ باءت كل محاولات توفير النقل المجاني، وتمديد أوقات التصويت، ومنح مرونة في أوقات العمل بالفشل الذريع.

حتى الدعوات الرسمية المباشرة التي أطلقها الرئيس عبد المجيد تبون ووزير داخليته لحث المواطنين على التوجه إلى مكاتب الاقتراع، قوبلت بتجاهل شعبي تام وصمت مدقع من الشارع.

وفي هذا السياق، أكدت وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) أن العزوف الانتخابي كان السيد المطلق لهذا الاستحقاق الذي افتقر لأي حركية تذكر، مشيرة إلى أن تمديد الاقتراع لساعة إضافية كان مجرد محاولة يائسة لإنقاذ الموقف ولرفع نسبة المشاركة المتدنية، ومذكرة بأن هذه الصدمة الانتخابية تأتي استكمالاً لمسار الانحدار الذي بدأ في تشريعيات 2021 التي لم تتجاوز بدورها عتبة الـ 30 في المائة وفقاً للأرقام الرسمية.

ويجمع المراقبون على أن هذا النفور الشعبي الحاسم من صناديق الاقتراع ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد طبيعي لروح الحراك الشعبي الذي انطلق عام 2019 مطالباً بإصلاحات ديمقراطية جذرية وبإنهاء تحكم الواجهة السياسية الموجهة.

فرغم محاولات النظام إعادة إنتاج نفسه عبر تنظيم سلسلة من الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية وتمرير تعديلات دستورية، ظل الشارع الجزائري متمسكاً بموقفه الرافض، ما يرسخ أزمة الثقة العميقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. وقد ساهم في تعميق هذه الأزمة عجز الأحزاب السياسية، بشقيها التقليدي والموالي، عن تجديد خطابها أو تقديم بدائل سياسية حقيقية قادرة على استقطاب فئة الشباب وإقناعهم بجدوى المشاركة في الحياة السياسية.

ولا تنفصل هذه المقاطعة الواسعة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي المرير الذي يكابده الجزائريون يومياً، حيث بات المزاج العام محتقناً في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة، وتهاوي القدرة الشرائية، وتفشي البطالة، لا سيما في صفوف الشباب الذين يواجهون تحديات قاسية تتعلق بانعدام فرص العمل وغياب آفاق السكن اللائق.

كل هذه التراكمات السياسية والاقتصادية حولت العزوف عن التصويت إلى أكثر من مجرد فتور سياسي، بل جعلته فعلاً احتجاجياً واعياً وشكلاً حاسماً من أشكال التعبير عن رفض الانخراط في مسار انتخابي لا يقدم حلولاً لأزمات البلاد المستفحلة، وتأكيداً صارخاً على أن شريحة واسعة من الجزائريين اختارت مقاطعة الصناديق كتصويت بحجب الثقة عن نظام يفتقر للحلول الواقعية.

 

شارك المقال شارك غرد إرسال