لم يعد المنتخب المغربي يراهن فقط على جودة الأسماء أو المهارات الفردية المعزولة، بل صار يقدم صورة أكثر نضجا لفريق يعرف كيف يغير جلده داخل المباراة الواحدة، فالفكرة التي باتت تميز أداء “أسود الأطلس” تقوم على لاعب لا يؤدي وظيفة واحدة، بل يتحول حسب وضعية اللعب إلى أداة تكتيكية متعددة الاستعمالات، أشبه بما يمكن وصفه مجازا بـ“السكاكين السويسرية” داخل رقعة الملعب.
هذا التحول لا يظهر فقط في الاستحواذ على الكرة، بل في الطريقة التي يستعمل بها المنتخب ذلك الاستحواذ، فالكرة لا تدور من أجل الدوران، وإنما من أجل سحب الخصم من مناطقه، وخلق مساحات بين الخطوط، ثم استغلالها عبر تحركات متداخلة بين الأظهرة، لاعبي الوسط والأجنحة هنا لا يبقى الظهير ظهيرا فقط، ولا صانع اللعب محصورا في مركزه، ولا الجناح مجرد لاعب على الخط؛ بل يصبح كل لاعب جزءا من بنية متحركة، تتغير بحسب الضغط، التمركز، واتجاه الهجمة.
وتبرز قيمة هذا النسق في قدرة اللاعبين على تبادل المواقع دون أن يفقد الفريق توازنه، فقد يتحول الظهير إلى لاعب وسط إضافي عند البناء، ويتراجع لاعب الوسط لتأمين الخروج بالكرة، بينما يدخل الجناح إلى العمق لفتح الممر أمام الصعود من الرواق. وفي لحظة أخرى تتحول نفس الأسماء إلى منظومة ضغط عال، أو إلى كتلة دفاعية متقاربة دون أن يبدو الفريق مشتتا أو فاقدا للبوصلة.
هذه المرونة تمنح المنتخب المغربي أفضلية تكتيكية مهمة أمام خصوم يعتمدون على أنظمة دفاعية مختلفة، فحين يواجه دفاعا متأخرا، يلجأ إلى تدوير الكرة وتغيير جهة اللعب بحثا عن الثغرة، وحين يواجه ضغطا متقدما، يستعمل جودة لاعبيه في الخروج القصير أو التمرير بين الخطوط. وحين تضيق المساحات، تصبح التحركات غير المباشرة، وتبادل المراكز، وسرعة القرار عناصر حاسمة في كسر التوازن الدفاعي للخصم.
الأهم في هذا التطور أن اللاعب المغربي لم يعد يقدم نفسه كعنصر مهاري فقط، بل كلاعب قادر على الفهم التكتيكي. فالمهارة الفردية مهما بلغت قيمتها، لا تكفي وحدها في كرة القدم الحديثة، ما يصنع الفارق اليوم هو اللاعب القادر على قراءة اللحظة: متى يضغط، متى يهدئ اللعب، متى يغير مركزه، ومتى يفتح المساحة لزميله بدل أن يطلب الكرة لنفسه.
ومن هنا تأتي صورة “السكاكين السويسرية”؛ لأن المنتخب المغربي أصبح يضم لاعبين قادرين على أداء أكثر من وظيفة في نفس المباراة: بناء اللعب، كسر الضغط، خلق التفوق العددي، التغطية الدفاعية، والانتقال السريع نحو الهجوم. وهذه الخاصية تمنح الطاقم التقني هامشا أوسع في تدبير المباريات، لأنها تسمح بتغيير شكل الفريق دون الحاجة دائما إلى تغيير الأسماء.
غير أن هذا الأسلوب يحتاج إلى تركيز عال وانسجام مستمر، لأن كثرة التحركات وتبادل المواقع قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا غاب الانضباط أو تأخر القرار. لذلك فإن قوة المنتخب لا تكمن فقط في الجرأة الهجومية، بل في قدرته على الحفاظ على التوازن بين الإبداع والنظام، وبين حرية اللاعب وواجباته داخل المجموعة.
بهذا المعنى، لا يقدم المنتخب المغربي مجرد أداء جميل، بل مشروعا كرويا قائما على الذكاء الجماعي وتعدد الكفاءات. وإذا واصل تطوير هذا النسق، فقد يصبح أحد أكثر المنتخبات قدرة على التكيف مع مختلف المدارس الكروية، لا لأنه يملك لاعبين مهاريين فقط، بل لأنه يملك لاعبين يعرفون كيف يتحولون، داخل الملعب، إلى أدوات متعددة الوظائف في خدمة فكرة واحدة: فريق مرن، ذكي، وصعب التفكيك.