حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

أعادت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر رسم موازين القوى داخل مجلس النواب، بعدما انتقل حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة الترتيب بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً، فيما عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى الواجهة بحصوله على 54 مقعداً. وهي نتائج مؤقتة أعلنتها وزارة الداخلية، في انتظار استكمال المساطر القانونية المرتبطة بالنتائج النهائية.

ولا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند معرفة الحزب الذي تصدر الانتخابات، إذ تفتح مباشرة الباب أمام سؤال تشكيل الحكومة المقبلة. فالدستور المغربي ينص في الفصل 47 على أن جلالة الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، بينما يتم تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

وبناء على النتائج المعلنة، أصبح حزب الأصالة والمعاصرة في موقع دستوري يؤهله لتقديم مرشحه لرئاسة الحكومة إلى الملك. لكن تصدر الانتخابات لا يعني امتلاك أغلبية برلمانية منفردة، إذ يتطلب تمرير القوانين وممارسة الحكومة لمهامها داخل البرلمان بناء أغلبية تضم ما لا يقل عن 198 نائباً من أصل 395.

وتكشف عملية جمع المقاعد عن تعدد الصيغ الحسابية الممكنة أمام الأحزاب. فالأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال يتوفرون مجتمعين على 228 مقعداً، أي أكثر من الأغلبية المطلوبة. كما أن تركيبة البرلمان الجديد تتيح حسابياً صيغاً أخرى، وهو ما يجعل المشاورات السياسية المقبلة حاسمة في تحديد شكل الأغلبية وتركيبتها، من دون أن تعني الأرقام وحدها أن تحالفاً بعينه قد تم الاتفاق عليه.

اللافت أيضاً أن الخريطة الجديدة تختلف بشكل واضح عن انتخابات 2021. فقد تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 مقعد إلى 66، والاستقلال من 81 إلى 65، بينما ارتفع رصيد الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعداً. أما العدالة والتنمية فانتقل من 13 مقعداً في الانتخابات السابقة إلى 54 مقعداً حالياً، في واحد من أبرز التحولات العددية التي عرفها مجلس النواب الجديد.

غير أن السؤال الذي سيهم المواطن المغربي خلال الأيام والأسابيع المقبلة لن يكون فقط: من سيجلس في رئاسة الحكومة؟ بل ماذا ستفعل الحكومة الجديدة بالثقة التي منحتها صناديق الاقتراع للأحزاب؟ فالانتقال من الحملة الانتخابية إلى تدبير الشأن العام سيضع ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والخدمات العمومية أمام اختبار عملي، خصوصاً في ظل انتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة.

وتحمل نسبة المشاركة بدورها دلالة لا يمكن تجاهلها. فقد بلغت 38.08 في المائة على المستوى الوطني، وفق المعطيات التي أعلنها وزير الداخلية، أي أقل من النسبة المسجلة في انتخابات 2021 والتي بلغت 50.86 في المائة. وشارك في اقتراع 23 شتنبر نحو ستة ملايين ناخبة وناخب، بحسب المعطيات الرسمية.

وبذلك تدخل الأحزاب الفائزة مرحلة مختلفة تماماً عن مرحلة الحملات الانتخابية. فالبرامج التي قُدمت للناخبين ستتحول إلى التزامات سياسية، بينما ستجد الحكومة المقبلة نفسها مطالبة بتحويل الوعود المرتبطة بالعمل والدخل والصحة والمدرسة والخدمات الأساسية إلى سياسات وقرارات قابلة للقياس.

أما المشهد السياسي، فقد حُسمت مرحلته الأولى بإعلان النتائج المؤقتة، لكن المرحلة الأكثر تعقيداً تبدأ الآن: مشاورات تشكيل الأغلبية، تحديد أولويات الحكومة، واختيار الفريق الذي سيتحمل مسؤولية تنفيذ البرنامج الحكومي خلال الولاية المقبلة. وفي انتظار ما ستفرزه هذه المشاورات، يبقى المؤكد أن نتائج 23 شتنبر لم تحدد فقط ترتيب الأحزاب داخل البرلمان، بل فتحت صفحة جديدة ستختبر فيها الأحزاب قدرتها على الانتقال من طلب أصوات المواطنين إلى الاستجابة لانتظاراتهم.