أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 مجموعة من الرسائل السياسية التي تتجاوز مجرد توزيع المقاعد بين الأحزاب، وتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة العلاقة الجديدة بين المرشح والناخب المغربي، وحول مدى فعالية الأساليب التقليدية في إدارة الحملات الانتخابية.
ومن أبرز الدروس التي يمكن قراءتها من نتائج هذه الاستحقاقات أن حجم الإنفاق على الحملة الانتخابية، وكثرة الأنصار في الشوارع، وتوزيع المنشورات بالمئات والآلاف، لا تعني بالضرورة امتلاك الطريق إلى البرلمان. فالانتخابات، في نهايتها، تعود إلى لحظة واحدة داخل مكتب التصويت، حيث لا يبقى للمرشح سوى اسمه وبرنامجه وصورته لدى الناخب.
وتقدم دائرة القنيطرة نموذجاً لافتاً في هذا الجانب. فالدائرة التي تنافست فيها مجموعة من الأحزاب على أربعة مقاعد برلمانية، انتهت بتصدر مصطفى إبراهيمي، وكيل لائحة حزب العدالة والتنمية، النتائج بـ13 ألفاً و874 صوتاً، متقدماً على محمد الغراس عن الحركة الديمقراطية الاجتماعية، ثم حاتم بن رقية عن التجمع الوطني للأحرار، والحسين الرحوية عن الاتحاد الدستوري. وبلغ عدد المصوتين بالدائرة 90 ألفاً و93 ناخباً، مقابل 75 ألفاً و109 أصوات معبّر عنها.
واللافت في حالة الإبراهيمي أن حملته لم تعتمد، بحسب ما ظهر ميدانياً خلال أيام الحملة، على تحويل الشوارع إلى ساحات استعراض انتخابي مفتوح. فقد ركز مرشح «المصباح» على اللقاءات والتجمعات والتواصل المباشر مع الناخبين، إلى جانب المهرجان الخطابي الذي شارك فيه الأمين العام للحزب عبد الإله ابن كيران بمدينة القنيطرة. وكانت الحملة في مجملها أقل اعتماداً على مظاهر الاستقطاب البشري الكبير التي طبعت حملات مرشحين آخرين، وهو نفس الأمر تقريباً بالنسبة للغراس عن حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها: مرشح لا يملأ الشوارع بالمئات في كل جولة، ولا يحتاج إلى تحويل كل لقاء انتخابي إلى مشهد جماهيري ضخم، تمكن في نهاية المطاف من تصدر دائرة انتخابية شديدة التنافس. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن طريقة الحملة وحدها هي التي صنعت النتيجة، فالانتخابات حصيلة عوامل متعددة، من بينها الرصيد السياسي والشخصي للمرشح، التنظيم الحزبي، شبكات التواصل مع الناخبين، المواقف السابقة، والقدرة على الإقناع.
في المقابل، كشفت النتائج أن الإنزال البشري في الازقة والشوارع والإنفاق الكبير على الحملة لا يتحولان آلياً إلى أصوات. فقد شهدت القنيطرة خلال أيام الحملة مشاهد انتخابية مختلفة، من تجمعات كبيرة، وحضور بشري مكثف، وتوزيع كميات ضخمة من المنشورات والمواد الدعائية. غير أن الصناديق أعطت في النهاية أرقاماً لا تعكس بالضرورة حجم الحضور الذي ظهر في الشوارع خلال الحملة.
وهذا بالضبط أحد أهم التحولات التي تستحق الدراسة في الانتخابات المغربية الجديدة: الفرق بين الصورة التي تصنعها الحملة والصوت الذي يصنعه الناخب داخل المعزل الانتخابي. فقد يستطيع مرشح أن يبدو قوياً في الشارع، وأن يحيط نفسه بعشرات أو مئات المؤيدين، وأن يملأ المدينة بصوره ومنشوراته، لكن ذلك كله لا يقدم ضماناً بأن الناخب سيضع علامة التصويت إلى جانبه.
أما الحديث عن استعمال المال لاستمالة الناخبين، فيحتاج إلى تمييز مهم بين الإنفاق المشروع على الحملة الانتخابية وبين شراء الأصوات أو تقديم الأموال مقابل التصويت، وهي ممارسات غير مشروعة لا يمكن إثباتها بمجرد ملاحظة حجم الإنفاق أو الحضور الميداني. لكن نتائج القنيطرة تتيح، على الأقل، الإجابة عن سؤال سياسي واجتماعي أكبر: هل ما زال الناخب المغربي مستعداً لتغيير اختياره بمجرد الحصول على مقابل مادي؟ والجواب هو لا .
المؤشرات التي أفرزتها النتائج لا تسمح بالقول إن المال فقد تأثيره كلياً، ولا بأن الناخب المغربي أصبح بمنأى عن كل أشكال التأثير المادي؛ لكنها تقدم دليلاً عملياً على أن المال وحده لا يكفي لصناعة النجاح الانتخابي. فالمرشح الذي يراهن على الموارد المالية والحشد والاستعراض يجد نفسه في النهاية أمام ناخب يستطيع أن يستفيد من كل ما يعرض عليه أثناء الحملة، ثم يتخذ قراراً مختلفاً داخل مكتب التصويت.
ومن هنا يمكن الحديث عن شكل من «التصويت العقابي»، ليس بالضرورة بمعنى معاقبة المرشح بسبب المال تحديداً، وإنما باعتباره قدرة متزايدة لدى الناخب على الفصل بين ما يراه خلال الحملة وما يقرره في صندوق الاقتراع. فالناخب قد يحضر تجمعاً، أو يتسلم منشوراً، أو يستمع إلى خطاب، لكنه يحتفظ في النهاية بحقه الكامل في منح صوته لمن يراه أقرب إلى قناعته.
القنيطرة تقدم أيضاً درساً آخر: الانتخابات لا تُحسم دائماً بالصوت الأعلى، وإنما بالصوت الأكثر إقناعاً. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض الحملات تراهن على الكم، اختارت حملات أخرى التركيز على التواصل السياسي المباشر، وهو ما يفتح الباب أمام تحول تدريجي من منطق «كم شخصاً أحضرنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كم ناخباً أقنعنا؟».
وهذه المسألة تكتسب أهمية أكبر في ظل المعطيات الوطنية للانتخابات التشريعية الأخيرة، التي تنافس فيها 27 حزباً على 395 مقعداً، فيما بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.08 في المائة وفق النتائج المؤقتة التي أعلنتها وزارة الداخلية.
وبالتالي، فإن الرسالة التي يمكن استخلاصها من القنيطرة لا تتعلق بحزب واحد أو مرشح واحد بقدر ما تتعلق بتغير قواعد اللعبة الانتخابية نفسها. فالحملة الصاخبة ليست بالضرورة حملة ناجحة، وكثرة المنشورات لا تعني كثرة الأصوات، وامتلاء الشوارع بالأنصار لا يعني بالضرورة امتلاء صناديق الاقتراع بأصوات المرشح.
وفي النهاية، يبقى الصندوق هو المكان الوحيد الذي تُختبر فيه كل هذه الاستراتيجيات. هناك تختفي الصور واللافتات والسيارات والجموع، ويبقى الناخب وحده أمام ورقة الاقتراع. والنتيجة التي أعلنتها القنيطرة يوم 24 شتنبر تؤكد أن المسافة بين استعراض القوة الانتخابية وصناعة الفوز الحقيقي قد تكون أكبر بكثير مما توحي به مشاهد الحملة.

