بنكيران.. “قندوح” الشعبوية الذي يرفض الاعتراف بوفاته

بعنادٍ مَرَضيّ، ترفض بعض الجثث السياسية في بلادنا أن تستوعب أن صناديق الاقتراع قد دفنت شعبويتها إلى الأبد. “زعيم الأمس”، الذي أفرغ جيوب المغاربة طيلة عشر سنوات من الخراب التدبيري، يفتقد اليوم لأدنى درجات الشجاعة لمواجهة حصيلته الكارثية، مفضلاً أجبن الطرق: الهروب إلى الأمام وممارسة هوايته السمجة في خلط الأوراق.

نحن اليوم لسنا أمام زلات لسان عابرة، بل أمام “وقاحة” ممنهجة واستراتيجية ابتزاز مفضوحة تتطاول على المؤسسة الملكية ومحيطها؛ في محاولة بائسة لافتعال معارك دونكيشوتية رخيصة، لعلها تعيد الحياة لرجل طواه النسيان وسحقتْه عجلة التاريخ بلا رحمة.

إن ما تابعناه في خرجة الصويرة الأخيرة لم يكن مجرد غبار سياسي عابر، بل سقطة مدوية تكشف حجم الإفلاس الخطابي والسقوط الأخلاقي الذي وصل إليه الرجل. فأن يقف من يُفترض أنه رجل دولة، ليعدد أسماء مستشاري جلالة الملك، ثم يختم جرده بعبارة من طينة “ولا شي قندوح آخر”، فهذا انزلاق خطير وتجاوز غير مقبول في حق شخصيات ومؤسسات يفترض أن تظل بمنأى عن لغة “الحلاقي” الرخيصة.

هذا الوصف القدحي، الذي رماه صاحبنا في سياق معطوف وموغل في الإسفاف، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه اختار استبدال لغة البرامج والبدائل بمصطلحات سوقية لا تليق بوقار السياسة ولا بمقام المسؤولية.

الرجل الذي قاد حزبه نحو أشنع هزيمة انتخابية في تاريخ المغرب الحديث، يدرك جيداً أن مواجهة خصومه الطبيعيين في الساحة ومناقشة حصيلته ستعريه تماماً، وتذكره بقراراته السوداء التي لم ولن يغفرها له المغاربة.

لذلك، اختار الطريق الأسهل والأكثر خسة: توجيه فوهات ميكروفوناته نحو القصر ومستشاريه بلغة استفزازية، ظناً منه أن إثارة هذا النوع من الزوابع الرخيصة ستغسل يديه من مسؤولية تمرير أشرس القرارات التي طعنت القدرة الشرائية للمواطن البسيط، وستمنحه صك غفران يعيده إلى واجهة “البوز” بعد أن جففت صناديق الاقتراع ماء وجه حزبه.

المغاربة اليوم لم يعودوا بتلك السذاجة التي يراهن عليها تجار الكلام ومحترفو البكائيات. إنهم يئنون تحت وطأة غلاء المعيشة، ويبحثون عن حلول حقيقية لتعليم أبنائهم، وتوفير فرص الشغل لشبابهم العاطل، ولا يكترثون بتاتاً لبطولات وهمية تُصنع على مقاس المنصات الرقمية.

لقد آن الأوان لكي يفهم من احترفوا المزايدات أن السياسة لا تستقيم بتحويل مؤسسات الدولة إلى شماعة لتعليق الفشل الحزبي، وأن من لا يملك مشروعاً حقيقياً للمستقبل ولا الجرأة للاعتراف بهزيمته النكراء، فإن أفضل خدمة يمكن أن يسديها لهذا الوطن هي أن يرحمنا بصمته.

 

شارك المقال شارك غرد إرسال