لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية بدائرة القنيطرة مجرد عملية حسابية انتهت بتوزيع أربعة مقاعد برلمانية على أربعة أحزاب، بل حملت في طياتها رسائل سياسية تستحق التوقف عندها طويلا. فالصناديق قالت كلمتها، وكشفت أن الخريطة الانتخابية ليست قطعة أرض يمكن اقتسامها بمجرد استقطاب بعض الأسماء أو حشد الوجوه المعروفة في المناسبات، وأن الناخب القنيطري، مهما اختلفت قراءتنا لسلوكه، لا يمنح صوته بالضرورة لمن يعتقد السياسيون أنهم يملكون مفاتيح المدينة.
وحسب النتائج النهائية غير الرسمية المتداولة، في انتظار تأكيدها أو تصحيحها من طرف السلطات الإقليمية، فقد تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج بـ13 ألفا و874 صوتا، متبوعا بالحركة الديمقراطية الاجتماعية، ممثلة في «النخلة»، التي حصلت على 12 ألفا و679 صوتا، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ9 آلاف و759 صوتا، فيما انتزع الاتحاد الدستوري المقعد الرابع بـ8 آلاف و285 صوتا.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، الذي دخل السباق الانتخابي بطموحات كبيرة، فقد وجد نفسه خارج دائرة الفائزين، بعدما حل في المركز الخامس.
هذه الأرقام، في انتظار الإعلان الرسمي النهائي، ليست مجرد أعداد جامدة؛ إنها مادة سياسية دسمة، تختزل تحولات في موازين القوى، وتقدم دروسا لمن يريد أن يفهم ما جرى بدل الاكتفاء بتبرير ما لم يتحقق.
إبراهيمي.. حين تتحول الحصيلة البرلمانية إلى رصيد انتخابي
أولى المفاجآت، وربما أكثرها دلالة، كانت تصدر مصطفى إبراهيمي، مرشح حزب العدالة والتنمية، نتائج الاقتراع. فالرجل لم يدخل هذه الانتخابات من فراغ، ولم يكن مجرد اسم وضعه الحزب على رأس لائحته انتظاراً لمعجزة انتخابية. لقد خاض تجربة برلمانية سابقة، وكان حضوره في الترافع عن قضايا القنيطرة أحد أبرز العناصر التي ميزت أداءه خلال الولاية المنتهية.
وإذا كانت صناديق الاقتراع قد منحته المرتبة الأولى، فإن ذلك يفتح الباب أمام قراءة سياسية مفادها أن جزءاً من الناخبين تعامل مع الانتخابات باعتبارها مناسبة لتقييم الحصيلة، وليس فقط فرصة لمعاقبة حزب أو مكافأة آخر.
لقد أثبتت نتائج القنيطرة أن الحزب استطاع الحفاظ على قاعدة انتخابية وازنة وإعادة تعبئتها، رغم التحولات التي عرفها المشهد السياسي الوطني. وهذا درس ينبغي ألا يستهين به خصومه؛ فالأحزاب لا تختفي بالضرورة لمجرد تراجع شعبيتها في محطة انتخابية سابقة، كما أن القواعد الانتخابية لا تُبنى في ليلة واحدة، بل تحتاج إلى حضور ميداني وتواصل مستمر وعمل سياسي قابل للقياس.
والأهم أن تجربة إبراهيمي تطرح سؤالاً جوهرياً على بقية البرلمانيين: ماذا قدمتم للمدينة حتى تطلبوا من سكانها تجديد الثقة فيكم؟
«النخلة».. حين تجتمع القاعدة الانتخابية مع الحساب السياسي
المفاجأة الثانية حملتها الحركة الديمقراطية الاجتماعية، التي تمكن مرشحها محمد الغراس من احتلال المرتبة الثانية، في نتيجة تضع الحزب ضمن القوى التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن المشهد الانتخابي بالقنيطرة.
لم يكن هذا التقدم وليد عامل واحد، بل يمكن قراءته باعتباره حصيلة تضافر مجموعة من العناصر، في مقدمتها الدعم السياسي الذي حظي به الغراس من محمد تالموست، المعروف بتجربته السياسية وامتداداته الانتخابية، إلى جانب مساندة شخصيات سياسية بالإقليم، من بينها عبد الحق عبروق.
كما أن التحاق نقابة تجار ومهنيي القنيطرة بالحزب أضاف بعداً مهنياً وتنظيمياً إلى حملته، في مدينة يشكل فيها التجار والمهنيون جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي.
وهنا يظهر أحد الدروس البارزة لهذه الانتخابات: ليس ضرورياً أن يكون الحزب من بين أكبر التنظيمات وطنياً حتى يحقق نتيجة لافتة محلياً. فقد تستطيع شبكة من العلاقات السياسية والاجتماعية، حين تلتقي حول مرشح واحد، أن تغير موازين المنافسة وتفرض نفسها على الخريطة الانتخابية.
لكن النجاح في انتزاع المقعد شيء، والقدرة على تحويله إلى حضور سياسي وتنموي مستمر شيء آخر. فالناخب الذي يمنح ثقته اليوم سيعود غداً ليسأل عما تحقق من الوعود، ولن تكون نتائج الانتخابات السابقة صكاً مفتوحاً للنجاح في المستقبل.
الأحرار.. مقعد ثالث لا يحجب أسئلة الخسارة
أما التجمع الوطني للأحرار، فقد تمكن من انتزاع المقعد الثالث بـ9 آلاف و759 صوتاً، لكنه فعل ذلك في ظل منافسة كشفت حدود الرهانات التي اعتمد عليها الحزب محلياً.
فالنتيجة تتيح طرح تساؤلات جدية بشأن مدى نجاح الحملة التي قادتها أمينة حروزة، رئيسة جماعة القنيطرة، لدعم حاتم برقية، خصوصاً أن التعبئة التي راهن عليها الحزب، والاستعانة ببعض الفاعلين الجمعويين، لم تنعكس على النتيجة بالشكل الذي كان مأمولاً.
ويبدو أن الرهان على أسماء يُعتقد أنها تملك امتدادات انتخابية لم يكن كافياً لضمان التفوق، كما أن استقطاب بعض الوجوه التي لا تتوفر على قاعدة انتخابية راسخة قد لا يمنح الحزب الإضافة التي ينتظرها منها.
ويضاف إلى ذلك ما عرفه الحزب من تراجع في علاقاته مع بعض الأوساط التجارية والمهنية، وفق المعطيات الواردة بشأن الحملة، وهو عنصر يستحق بدوره الدراسة، بالنظر إلى أهمية هذه الفئات في المشهد المحلي.
ولا يعني ذلك أن كل ناخب صوت ضد الأحرار كان بالضرورة يعبر عن موقف واحد أو عن رفض شامل للحزب، لكن حلول مرشحه في المرتبة الثالثة يفرض على قيادته المحلية مراجعة حساباتها، وفهم أسباب عدم ترجمة الحضور التنظيمي والسياسي إلى نتيجة تتناسب مع طموحاتها.
فالانتخابات لا تقيس عدد الصور الملتقطة في التجمعات، ولا عدد الوجوه التي تظهر بجانب المرشح، وإنما تقيس في النهاية الأصوات التي توضع في الصناديق.
الاتحاد الدستوري.. مفاجأة المقعد الرابع
بدوره، تمكن الاتحاد الدستوري، ممثلاً في الحسين الرحوية، من حسم المقعد الرابع بـ8 آلاف و285 صوتاً، في نتيجة يمكن اعتبارها مفاجأة بالنظر إلى طبيعة المنافسة التي عرفتها الدائرة.
لقد أظهرت هذه النتيجة أن المنافسة على المقاعد البرلمانية لا تُحسم دائماً وفق التوقعات المسبقة، وأن الأحزاب التي لا تتصدر واجهة المشهد قد تجد لنفسها موقعاً داخل البرلمان متى استطاعت تعبئة ما يكفي من الأصوات.
غير أن حصول الاتحاد الدستوري على المقعد بصعوبة يجعل التحدي المقبل أكبر من مجرد الاحتفال بالفوز؛ إذ سيكون على ممثله أن يحول هذه الثقة الانتخابية إلى حضور ملموس، حتى لا يصبح المقعد مجرد محطة عابرة في مسار الحزب بالدائرة.
الأصالة والمعاصرة.. الخروج من السباق يفتح باب المراجعة
الخاسر الأبرز في هذه النتائج هو حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حل في المركز الخامس وفشل في حجز مقعد ضمن المقاعد الأربعة المخصصة لدائرة القنيطرة.
وتكشف هذه النتيجة، وفق قراءة أولية، أن استقطاب رجال أعمال وبعض ممثلي المجتمع المدني لم يكن كافياً لتعويض غياب قاعدة انتخابية صلبة لدى عدد من الوجوه التي اعتمد عليها الحزب.
فالخطأ الذي تقع فيه بعض التنظيمات هو الاعتقاد بأن الوجاهة الاجتماعية أو الإمكانات المالية أو العلاقات الشخصية يمكن أن تتحول تلقائياً إلى أصوات انتخابية. والحال أن الناخب قد يعرف المرشح، وقد يصافحه في مناسبة أو يلتقيه في نشاط اجتماعي، لكنه لا يرى بالضرورة في ذلك سبباً كافياً لمنحه صوته.
لقد أثبتت القنيطرة مرة أخرى أن الاستقطاب لا يعوض التنظيم، وأن الأسماء الوافدة لا تستطيع وحدها بناء رصيد انتخابي في غياب عمل ميداني متواصل وعلاقة واضحة مع المواطنين.
وإذا أراد الأصالة والمعاصرة استعادة موقعه في الدائرة، فإن أول خطوة ينبغي أن تكون مراجعة اختياراته المحلية، وفهم أسباب عجزه عن تحويل حضوره السياسي إلى أصوات، بدل الاكتفاء بتعليق الإخفاق على ظروف الحملة أو حسابات المنافسين.
الدرس الأكبر.. الناخب لا يصوت وفق الحسابات الحزبية وحدها
ما تكشفه نتائج القنيطرة، في المحصلة السياسية، هو أن الخريطة الانتخابية المحلية أكثر تعقيداً من الشعارات التي ترفعها الأحزاب، وأن امتلاك مواقع المسؤولية أو استقطاب أسماء جديدة لا يمنح صاحبه ضمانة للفوز.
فالعدالة والتنمية استفاد من رصيد برلماني يمكن قياسه من خلال أداء ممثله السابق، والحركة الديمقراطية الاجتماعية تمكنت من تركيب تحالف محلي جمع امتدادات سياسية ومهنية، بينما واجه التجمع الوطني للأحرار أسئلة بشأن نجاعة تعبئته واختياراته، وانتزع الاتحاد الدستوري مقعداً في منافسة قوية، في حين دفع الأصالة والمعاصرة ثمن رهانات لم تترجم إلى أصوات كافية.
وهذه ليست أحكاماً نهائية على مستقبل الأحزاب، بل قراءات أولية لنتائج انتخابية ما تزال، وفق المعطيات المتاحة، في انتظار التأكيد الرسمي.
لكن الرسالة التي يصعب تجاهلها هي أن الناخب القنيطري لا يمكن اختزاله في صورة جمهور يتحرك بمجرد ظهور مسؤول أو رجل أعمال أو فاعل جمعوي. إنه ناخب تتداخل في اختياراته اعتبارات الحصيلة، والروابط المحلية، والثقة في المرشح، وشبكات التعبئة، ومدى اقتناعه بأن صوته سيصنع فرقاً.
لقد انتهت المنافسة، وبدأت مرحلة أخرى لا تقل صعوبة: مرحلة إثبات الاستحقاق. فالمقاعد الأربعة التي حُسمت انتخابياً ليست غنائم حزبية، بل مسؤوليات سياسية أمام مدينة تنتظر حلولاً لمشاكلها اليومية.
والأحزاب التي قرأت نتائج القنيطرة باعتبارها مجرد انتصار أو هزيمة قد تفوت عليها أهم فرصة أتاحتها هذه الانتخابات: فرصة فهم الرسائل التي بعث بها الناخبون، قبل أن تتحول الدروس التي كشفتها الصناديق إلى مفاجآت جديدة في الاستحقاقات المقبلة.

