أمغار الوساري
في عالم السياسة، كما في الحياة، تقاس المسافة بين الوهم والحقيقة بخيط رفيع اسمه الواقع. ولعل القصة الكوميدية للسياسي ميلود شليخ تختصر بوجيز العبارة خيبة أمل من يظنون ويعتقدون أن الكراسي تملكها النوايا، وأن المقاعد تضمنها التخمينات. ففي أقل من عشرين يوما، تلقى الرجل ضربتين موجعتين أعادتاه بوحشية إلى نقطة الصفر؛ الأولى حين أطاحت به صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية الأخيرة في الساعات الأخيرة في دائرة القنيطرة بعد ليلة طويلة قضاها الرجل يحلم بلقب “سعادة البرلماني”، والثانية حين أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط حكماً صارماً يقضي بتجريده من عضوية مجلس جماعة بنمنصور ورئاستها بعد دعوى تقدم بها حزب الأحرار ضده لأنه غير لونه السياسي.
إن المشهد هنا يتجاوز مجرد هزيمة انتخابية عابرة أو قرار قضائي معزول، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بأمراض المشهد الحزبي المغربي المتمثلة في الترحال السياسي العشوائي وبناء الحسابات على رمال متحركة. لقد ظن شليخ، في انتقاله المثير بين المحطات الحزبية، أن الرهان على لافتات حزبية معينة أو استيراد مظاهر الزخم والنجاح من مجالات أخرى —ككرة القدم ومحيطها— كفیل بتحويل الأسماء إلى أرقام انتخابية واضحة في صناديق الاقتراع. وكأن هناك من لا يزال يؤمن بأن هيبة السياسة وقوة التمثيلية تمنحان بصكوك جاهزة، متناسياً أن المواطن وصناديق الاقتراع لا يعترفان بالاستعراض، بل بميزان القوى المحلي والارتباط الحقيقي بالارض والناس.
لقد علمتنا التجربة أن الانتهازية السياسية والركوب على التوقعات الفجة غالباً ما تنتهي بسقوط مدوٍ. فالقانون لا يحابي الرحل والمخالفين، وصناديق الاقتراع لا تُغريها الأماني الطوباوية. وما جرى لشليخ، الذي نام برلمانياً واستيقظ بلا مقعد، ثم نام رئيساً واستيقظ بلا رئاسة، ليس سوى مرآة صادمة لكل منتخب يفكر في تغيير جلده الحزبي كلما مالت ريح المصالح؛ إذ تبقى الحكمة المغربية العميقة سيفاً مسلطاً على رقاب الواهمين: «مية تخميمة وتخميمة ولا ضربة بمقص».
إنها رسالة بليغة لكل السباحين في مياه الترحال الحزبي العكرة: السياسة ليست نزهة للاستهلاك الآني، والتاريخ السياسي لا يرحم من يغزلون خيوطهم من سراب. فالصندوق يحسم، والقانون ينفذ، ومن لم يحسب حسابهما بدقة، فلن ينفعه يومئذ كثرة التخمين ولا الندم بعد فوات الأوان.

