ابو سارة
هناك سياسيون يبدو أنهم فهموا السياسة على نحو مختلف تماماً. لا برنامج، لا رؤية، لا أفكار، ولا حتى جملة واحدة تصلح لأن تُكتب في وثيقة انتخابية. لكن لا بأس، فالحل موجود دائماً: أقم وليمة كبيرة، وستتكفل المائدة بالباقي!
في موسم الانتخابات، تتحول بعض المطابخ إلى ما يشبه مقرات الأحزاب، وتصبح الأطباق أكثر حضوراً من الأفكار، فيما ترتفع حرارة الطناجر كلما اقترب موعد الاقتراع. أما البرنامج الانتخابي، فيبدو أنه تفصيل يمكن تأجيله إلى إشعار آخر، لأن بعض المرشحين يراهنون على أن الطريق إلى أصوات المواطنين يمر، بالضرورة، عبر المعدة.
والمفارقة أن هؤلاء لا يتحدثون كثيراً عن المدارس أو المستشفيات أو فرص الشغل أو الاقتصاد المحلي. تلك ملفات معقدة، تحتاج إلى قراءة وتصور وخبرة وربما بعض التفكير. أما الوليمة، فمسألة أوضح بكثير: خروف هنا، وطاجين هناك، وصورة جماعية في النهاية، ثم تعليق جاهز عن «التواصل مع الساكنة».
لكن ماذا يحدث بعد أن تنتهي الولائم، ويُعلن الفائز نائباً محترماً؟
هنا تبدأ المرحلة الأكثر هدوءاً في حياته السياسية.
يدخل البرلمان حاملاً الصفة، ويجلس حاملاً الصفة، ويغادر حاملاً الصفة. خمس سنوات كاملة قد تمر دون سؤال يلفت الانتباه، أو مقترح قانون يحمل بصمته، أو موقف واضح من قضية تهم المواطنين. كأن الناخبين لم يختاروا ممثلاً عنهم، بل اختاروا قطعة أثاث دستورية لها الحق في الجلوس داخل القاعة.
بعض هؤلاء لا تعرف أنهم نواب إلا عندما تقرأ أسماءهم في اللائحة الرسمية. لا أثر لهم في النقاش، ولا حضور لهم في الملفات، ولا صوت لهم عندما يحتاج المواطن إلى من يدافع عنه. لكنهم، لحسن الحظ، يحتفظون باللقب كاملاً: السيد النائب المحترم.
والأغرب أن بعضهم يعود بعد انتهاء الولاية ليحدثك عن «التجربة البرلمانية»، وكأنه كان في بعثة علمية سرية، لا يسمح للرأي العام بمعرفة نتائجها.
المشكلة ليست في الولائم. فالناس يأكلون، والكرم قيمة جميلة، والطعام ليس جريمة سياسية. المشكلة حين يصبح الطبق بديلاً عن المشروع، والوليمة بديلاً عن البرنامج، والصورة الجماعية بديلاً عن الحصيلة.
السياسة ليست حفلة عشاء مفتوحة، والناخب ليس ضيفاً دائماً على مائدة أحد. المواطن يريد أن يعرف ماذا ستفعل بعد أن تُرفع الكراسي وتُغسل الأطباق ويعود الجميع إلى بيوتهم.
من السهل أن تجمع مئات الأشخاص حول مائدة. الأصعب أن تجمع أفكاراً قادرة على حل مشاكلهم.
ومن السهل أن تملأ الصحون. لكن الأصعب أن تملأ الولاية التشريعية بالمبادرات والمقترحات والمواقف.
ربما حان الوقت لأن نسأل بعض السي اسيين سؤالاً بسيطاً: بعد الوليمة، ماذا ستقدمون؟
لأن البرلمان، في النهاية، لا يحتاج إلى طباخين. بل يحتاج إلى سياسيين.
ولهذا، قبل أن يقرر المواطن وضع علامة بجانب اسم مرشح ما، ربما عليه أن يسأل نفسه أسئلة أبسط من قائمة الطعام التي قُدمت في آخر تجمع انتخابي: هل هذا الرجل أو هذه المرأة يملك الكفاءة؟ هل يعرف مشاكل الدائرة التي يريد تمثيلها؟ هل يستطيع التواصل مع الناس، والتحدث باسمهم، والترافع عن قضاياهم داخل المؤسسات؟
المطلوب ليس «مرشح الشكارة»، ولا مرشحاً يوزع الوعود كما توزع الأطباق، ولا شخصاً لا يستطيع أن ينطق بجملة مفيدة أو يدافع عن فكرة أمام الناس. البرلمان ليس قاعة انتظار، ولا بطاقة العضوية مجرد لقب اجتماعي يضاف إلى الاسم.
المغرب يحتاج إلى منتخبين يمتلكون النزاهة والكفاءة، وقرباً حقيقياً من المواطنين، وقدرة على التواصل والإقناع والترافع. منتخبين يعرفون هموم دوائرهم قبل أن يحفظوا أرقام نتائجها الانتخابية.
فالرهان، كما تؤكد التوجيهات الملكية المتكررة بشأن النخب والتمثيلية السياسية، هو أن تضطلع المؤسسات بمنتخبين قادرين على تحمل المسؤولية والمساهمة في قيادة قطار التنمية، لا بمنتخبين صم بكم، يحضرون إلى المنصب كما تحضر قطعة أثاث إلى غرفة جديدة: موجودة في المكان، لكنها لا تقول شيئاً ولا تفعل شيئاً.
فاختروا جيداً… لأن الوجبة تنتهي في ساعات، أما ثمن الاختيار الخاطئ فقد يؤديه المواطنون لخمس سنوات.

