لم يكن التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، وما أثاره من جدل سياسي وإعلامي، مجرد واقعة عابرة مرتبطة بتسريب جزء من اجتماع مغلق للمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار. فالمضمون الذي خرج إلى العلن، والتوقيت الذي اختير فيه نشره، والجهات السياسية التي ظهرت في خلفيته، كلها تجعل من التسجيل نافذة نادرة على طبيعة الحسابات التي بدأت تحكم المشهد الحزبي قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل.
ففي الوقت الذي تتجه فيه الأحزاب إلى تكثيف استعداداتها للاستحقاقات الانتخابية، خرجت إلى العلن مواقف قيلت داخل واحدة من أكثر دوائر القرار الحزبي حساسية. ولم يكن اللافت فقط أن رشيد الطالبي العلمي تحدث بلهجة حادة عن استقطاب منتخبين ومرشحين من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، وإنما أيضاً أن حديثه امتد إلى فوزي لقجع، بما يحمله الرجل من وزن سياسي ورمزي متزايد، وإلى موقع يمكن أن يشغله داخل الحكومة المقبلة، في حال أفرزت الانتخابات خريطة سياسية تسمح بذلك.
هنا تحديداً تتجاوز أهمية التسجيل الكلمات التي وردت فيه، لأن ما تكشفه ليس بالضرورة موقفاً رسمياً جديداً لحزب التجمع الوطني للأحرار بقدر ما تكشف حجم القلق الذي يبدو أنه بدأ يتشكل داخل الحزب من تغير موازين القوى قبيل الانتخابات. فالبلاغ الرسمي الذي أصدره المكتب السياسي للحزب قبل انتشار التسجيل كان قد تحدث بدوره عن استمالة وضغوط طالت برلمانيين ومنتخبين وقيادات حزبية، في إشارة واضحة إلى الصراع مع الأصالة والمعاصرة حول استقطاب النخب والمرشحين.
وبذلك، فإن التسجيل لم يصنع الخلاف بين الحزبين، وإنما أخرج إلى السطح، بلغة أكثر صراحة، ما كان قد ظهر في الخطاب الرسمي للأحرار بلغة سياسية أكثر احترازاً. وهذه نقطة أساسية لفهم ما يجري، لأن البيانات الحزبية عادة ما تختار مفرداتها بعناية، بينما تسمح الاجتماعات المغلقة للقيادات بالتعبير عن المخاوف والهواجس والحسابات بعيداً عن منطق الخطاب الموجه إلى الرأي العام.
ومن هذه الزاوية، فإن أكثر ما يستحق التوقف عنده في كلام الطالبي العلمي ليس فقط العبارة المتعلقة بإمكانية تولي فوزي لقجع وزارة المالية، رغم أنها تحولت إلى محور رئيسي في التداول الإعلامي، وإنما السياق السياسي الذي وردت فيه. فمجرد انتقال النقاش داخل اجتماع حزبي إلى أسماء وحقائب محتملة في الحكومة المقبلة يكشف أن جزءاً من النخب السياسية بدأ يتعامل مع انتخابات 2026 باعتبارها معركة لا تتعلق فقط بعدد المقاعد، وإنما أيضاً بموازين القوة التي ستتشكل بعدها، وبمن سيكون قادراً على التأثير في هندسة الأغلبية الحكومية المقبلة.
ومن الطبيعي أن تبدأ الأحزاب في بناء حساباتها قبل موعد الاقتراع، لكن ظهور هذه الحسابات بهذه الصراحة يمنح التسجيل قيمة سياسية إضافية. فالانتخابات المقبلة لا تبدو، وفق ما تعكسه التطورات الأخيرة، مجرد تنافس تقليدي بين أحزاب وبرامج، وإنما بدأت تتحول إلى معركة حول من يمتلك القدرة على استقطاب المنتخبين، ومن يستطيع الحفاظ على شبكاته السياسية، ومن ينجح في تعزيز حضوره داخل مختلف الدوائر الانتخابية.
وهنا يصبح فوزي لقجع حالة خاصة في هذه المعادلة. فانتقاله إلى الأصالة والمعاصرة لم يكن انتقال شخصية سياسية عادية، بل يتعلق بشخصية راكمت خلال السنوات الماضية حضوراً قوياً داخل المجال الرياضي والمؤسساتي، وأصبحت تحظى بوزن متزايد في النقاش السياسي. ولذلك فإن دخوله إلى «البام» قبل الانتخابات يمنح الحزب إضافة سياسية ورمزية لا يمكن فصلها عن الصراع الحالي بينه وبين الأحرار.
ولعل هذا ما يفسر جانباً من حدة الخطاب الذي ظهر في التسجيل. فالخلاف لا يبدو متعلقاً بشخص لقجع وحده، وإنما بما يمكن أن يمثله انتقاله بالنسبة إلى موازين القوة بين حزبين ينتميان إلى الأغلبية نفسها، لكنهما يستعدان لخوض الانتخابات المقبلة كل منهما من أجل تعزيز موقعه. وهذه إحدى مفارقات المرحلة الحالية: التحالف الحكومي يمكن أن يجمع الأحزاب داخل المؤسسات، لكنه لا يلغي التنافس بينها عندما يتعلق الأمر بالانتخابات وبمستقبل القيادة الحكومية.
ومن هذه الزاوية، فإن حديث الطالبي العلمي عن «قواعد الفيفا» وانتقالات اللاعبين، وفق ما ورد في التسجيل المتداول، يحمل دلالة سياسية أكثر من كونه مجرد تشبيه عابر. فهو يعكس رفضاً لمنطق انتقال المنتخبين من حزب إلى آخر كما لو أن الأمر يتعلق بسوق مفتوحة، في وقت يرى فيه الأحرار أن الاستقطاب تجاوز حدود المنافسة السياسية الطبيعية. وفي المقابل، فإن انتقال السياسيين والمنتخبين بين الأحزاب ليس ظاهرة جديدة في الحياة الحزبية المغربية، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي مرتبطاً بالحد الفاصل بين الانتقال السياسي المشروع وبين الاستمالة أو الضغط غير المشروع.
هذا الحد هو الذي يحاول حزب التجمع الوطني للأحرار رسمه في خطابه الرسمي. فالحزب لم يتراجع عن انتقاد ما يصفه باستقطاب منتخبيه، لكنه في الوقت نفسه سارع، بعد انتشار التسجيل، إلى الفصل بين النقاش الداخلي والموقف الرسمي للمؤسسة الحزبية. وهو ما ظهر في تصريحات محمد شوكي، رئيس الحزب، الذي عبّر عن أسفه لتسريب جزء من مداولات المكتب السياسي، في محاولة واضحة لمنع تحويل تصريحات قيلت داخل اجتماع مغلق إلى موقف رسمي ملزم للحزب بأكمله.
سياسياً، تبدو هذه الاستراتيجية مفهومة. فالدخول في دفاع علني عن كل عبارة وردت في التسجيل قد يضع قيادة الأحرار أمام مواجهة مباشرة مع الأصالة والمعاصرة، وقد يمنح خصوم الحزب فرصة لتقديم الخلاف على أنه صراع حول المناصب الحكومية قبل أن يتحدث الناخبون. أما التركيز على واقعة التسريب، فيسمح للقيادة بنقل النقاش من مضمون بعض التصريحات إلى مبدأ حماية سرية الاجتماعات الداخلية وحق القيادات في النقاش بحرية.
غير أن المشكلة بالنسبة إلى الأحرار هي أن التسجيل خرج بالفعل إلى المجال العام، ولم يعد ممكناً التعامل معه باعتباره مجرد نقاش داخلي. فالرأي العام لا يسمع فقط كلاماً قيل خلف الأبواب المغلقة، بل يبحث عن دلالته السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية مثل الطالبي العلمي، الذي يشغل رئاسة مجلس النواب ويمثل أحد أبرز وجوه الحزب.
ومن هنا، فإن الضرر المحتمل للتسجيل لا يرتبط بالضرورة بعبارة واحدة، وإنما بالصورة التي يمكن أن يتركها عن طبيعة الصراع داخل الأغلبية. فالأحزاب المتنافسة انتخابياً قد تختلف في البرامج والمواقف، لكن عندما تظهر الخلافات المتعلقة بالمنتخبين والمناصب الحكومية المقبلة إلى العلن، فإن ذلك يعطي الانطباع بأن المعركة الانتخابية بدأت قبل أوانها، وأن الحسابات المتعلقة بما بعد الانتخابات أصبحت حاضرة بقوة داخل غرف القرار الحزبي.
وفي المقابل، قد يكون للتسجيل أثر معاكس بالنسبة إلى الأحرار. إذ يمكن للحزب أن يوظف الجدل القائم لإعادة تعبئة قواعده، خصوصاً أن الحديث عن استقطاب المنتخبين من طرف المنافسين يمكن أن يتحول إلى عنصر تعبئة داخلية، ويعزز خطاب الدفاع عن التنظيم وعن استقلالية القرار الحزبي. وهذا ما يفسر ربما اللهجة القوية التي حملها البلاغ الرسمي للحزب بشأن ما اعتبره ممارسات تمس قواعد التنافس السياسي.
لكن يبقى السؤال الأكبر مرتبطاً بالتوقيت. لماذا خرج هذا التسجيل الآن؟ لا توجد، في حدود المعطيات المتاحة، أدلة تسمح بالجزم بالجهة التي تقف وراء التسريب أو بالهدف الذي أرادت تحقيقه. ومن غير المهني أيضاً تحويل مجرد التزامن إلى دليل على وجود مخطط سياسي. لكن المؤكد أن التسجيل وجد طريقه إلى التداول في لحظة سياسية شديدة الحساسية، بعد تصاعد الخلاف حول استقطاب المنتخبين وقبل الانتخابات بأسابيع قليلة، وهو ما جعله يتحول سريعاً إلى مادة للصراع السياسي.
وهنا تكمن المفارقة الأبرز: الجهة التي سربت التسجيل، أياً كانت، لم تكن بحاجة إلى اختراع أزمة جديدة، لأن التنافس بين الأحرار والأصالة والمعاصرة قائم بالفعل. لكنها منحت هذا التنافس مادة إضافية، وكشفت جانباً من اللغة التي تستخدم داخل الاجتماعات المغلقة عندما يتعلق الأمر بالمنافسة على النفوذ والمرشحين والمستقبل الحكومي.
أما بالنسبة إلى فوزي لقجع، فإن الجدل الذي أثاره التسجيل قد يمنحه، paradoxically، حضوراً سياسياً أكبر. فكلما أصبح اسمه مرتبطاً بالنقاش حول الحكومة المقبلة ووزارة المالية وموازين القوة داخل الأغلبية، كلما انتقل من كونه وافداً جديداً على المشهد الحزبي إلى شخصية مركزية في النقاش حول المرحلة المقبلة. وهذه إحدى النتائج غير المقصودة التي قد تنتج عن التسريب.
في نهاية المطاف، لن تتحدد قيمة هذا التسجيل السياسية من خلال الضجة التي أحدثها خلال يوم أو يومين، وإنما من خلال ما ستكشفه الأسابيع المقبلة. فإذا استمرت انتقالات المنتخبين بين الأحزاب، وتصاعد التنافس بين الأحرار والأصالة والمعاصرة، وتوسعت النقاشات حول شكل الحكومة المقبلة، فإن التسجيل سيبدو لاحقاً كواحد من المؤشرات المبكرة على طبيعة المعركة. أما إذا هدأت المواجهة وانشغل الجميع بالحملة الانتخابية وبرامجها، فقد يتحول إلى مجرد واقعة إعلامية عابرة.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن التسريب فتح، ولو للحظات، نافذة على ما يدور خلف الخطاب الرسمي للأحزاب. وبينما يتحدث السياسيون أمام الجمهور عن البرامج والحصيلة والاستحقاقات، كانت الغرفة المغلقة تناقش المنتخبين، وانتقالات السياسيين، وموازين القوة، وحتى شكل الحكومة المقبلة.
وهذه ربما هي الرسالة السياسية الأهم التي حملها التسجيل: المعركة الانتخابية المقبلة لم تبدأ يوم الاقتراع، بل بدأت منذ الآن، داخل الأحزاب نفسها، حيث يجري تحديد مواقع القوة قبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع.

