حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لعل أفضل ما يمكن أن تحمله المنافسة الانتخابية للمغاربة هو أن تتحول من صراع حول المواقع إلى سباق حقيقي لتقديم حلول ملموسة لمشاكل المواطنين. وهذا ما بدأت بعض ملامحه تظهر في الأيام الأخيرة، بعدما انتقل النقاش حول رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم من جرف الملحة إلى الداخلة.

فمن جرف الملحة، أعلن محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أن برنامج حزبه للفترة 2026-2031 يتضمن مقترح رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، ضمن تصور اجتماعي أوسع يضع الكرامة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ضمن أولوياته.

ولا يقتصر البرنامج، بحسب ما قدمه شوكي، على مراجعة «السميك»، بل يشمل أيضاً خصماً ضريبياً بقيمة 5000 درهم عن مصاريف التمدرس الخصوصي لكل طفل، إلى جانب إجراءات تستهدف حماية القدرة الشرائية وتأمين المسارات المهنية للعاملين الموسميين، خصوصاً في قطاعي الفلاحة والسياحة.

لكن المقترح لم يمر مرور الكرام لدى حزب الأصالة والمعاصرة.

فمن مدينة الداخلة، جاء رد فوزي لقجع سريعاً وبنبرة مختلفة عن المألوف في المنافسة السياسية. لم يرفض الرجل مقترح منافسه، ولم يدخل في جدل حول الجهة التي تملك أحقية طرحه، بل أعلن موافقته عليه، متسائلاً عملياً عن جدوى الانتظار إلى ما بعد الانتخابات إذا كان الإجراء يحظى بتوافق داخل الأغلبية ويمكن تنزيله.

بهذا الجواب، انتقل النقاش من مستوى الوعد الانتخابي إلى سؤال سياسي أكثر أهمية: إذا كان رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم إجراءً ممكناً، فلماذا لا يتحول إلى قرار قبل 23 شتنبر؟

هنا تحديداً يمكن أن تصبح المنافسة الحزبية مفيدة للمواطن.

فعوض أن ينشغل المتنافسون بتبادل الاتهامات أو التقليل من مقترحات بعضهم البعض، يمكن أن يدفع كل حزب الآخر إلى رفع سقف الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية. حزب يقترح إجراءً، وآخر يعلن استعداده لدعمه أو يطالب بتسريع تنفيذه، فيتحول التنافس من مجرد صراع سياسي إلى ضغط إيجابي قد تكون نتيجته تحسين حياة المواطنين.

ومع دخول محمد أوزين بدوره على خط تقديم برنامج حزبه ومقترحاته، تتسع دائرة المنافسة، ويصبح الرهان الحقيقي على جودة البرامج وقدرتها على تقديم إجابات عملية عن الأسئلة التي تهم المغاربة.

فالمواطن لا يبحث عن الحزب الأكثر بلاغة، ولا يعنيه كثيراً من صاحب الفكرة الأولى، بقدر ما يهمه أن يعرف كيف ستنفذ الوعود، ومتى، ومن أين ستأتي الموارد اللازمة لتمويلها.

رفع الأجور مطلب مشروع، لكن نجاحه يرتبط أيضاً بقدرته على حماية مناصب الشغل والحفاظ على توازن المقاولات. ودعم الأسر خطوة إيجابية، غير أن قيمته الحقيقية تبقى مرتبطة بمدى وضوح آليات التنفيذ ووصول الاستفادة إلى الفئات المعنية.

لهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى منافسة من نوع مختلف؛ منافسة تقوم على الأرقام والآجال والبرامج القابلة للقياس، وتنسجم مع الأوراش الكبرى التي يواصل المغرب تنزيلها تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بما يضمن تحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات وفتح آفاق جديدة للتنمية.

فليتنافس شوكي ولقجع وأوزين، وليقدم كل حزب ما يراه أفضل للمغاربة. لا مشكلة في أن يرتفع سقف المقترحات، ما دام هذا الارتفاع سينعكس على دخل المواطنين وقدرتهم الشرائية وجودة الخدمات التي يتلقونها.

غير أن الحكم النهائي لن يكون لما يقال في جرف الملحة أو الداخلة، ولا لقوة الخطابات أو حجم التصفيق.

الحكم الحقيقي سيكون لما سيتحول إلى قرارات.

وإلى أي حد ستنتقل الوعود من المنصات الانتخابية إلى واقع يلمسه المغاربة في أجورهم ومدارس أبنائهم ومستشفياتهم وفرص شغلهم.

فإذا كانت المنافسة الانتخابية ستدفع الأحزاب إلى التسابق من أجل خدمة المواطن، فذلك «ديربي» يستحق أن يفوز فيه الجميع.