الأحمدي أمغار
السياسة في بلادنا لم تعد تعترف بالصدف، وصناديق الاقتراع لا تجامل أحداً مهما نُفخ في حجمه. وما وقع في مدينة القنيطرة خلال تشريعيات 2026 ليس مجرد أرقام عابرة تُطوى بمجرد إغلاق مكاتب التصويت، بل هو أشبه بـ”بروفا” حقيقية، أو جرس إنذار مبكر يعلن للعموم أن الخريطة تُطبخ منذ الآن على نار هادئة، وأن من كان يظن نفسه “سيّد الميدان” قد يجد نفسه غداً يتدفأ في مقاعد المعارضة الباردة.
لغة الأرقام، التي لا تكذب ولا تحابي، تفضح المستور وتقول إن الخريطة الانتخابية لعاصمة الغرب انقلبت رأساً على عقب. أصحابنا في تحالف الأغلبية المسيرة للمجلس الجماعي الحالي، الذين كانوا يتبخترون بأرقام 2021 وكأنها “شيك على بياض” دائم، استيقظوا على كابوس حقيقي. تخيلوا معي أن كتلة هذه الأحزاب الستة، التي كانت تزمجر بـ 23,665 صوتاً، تقلصت بقدرة قادر لتصبح 10,805 أصوات فقط. نحن هنا نتحدث عن تبخر أكثر من 12,800 صوت! أكثر من نصف الرصيد طار في الهواء كما يطير الريش في مهب الريح.
وإذا أردنا أن نسمي الأشياء بمسمياتها، سنجد أن “حمامة” التجمع الوطني للأحرار كانت أكبر الخاسرين، بعدما نتف الناخبون ريشها بالكامل، متهاوية من 11,432 صوتاً سنة 2021 إلى بالكاد 2,402 من الأصوات في 2026. وحينما نتحدث عن هذه الخسارة الكبيرة والانكسار غير المسبوق للأحرار بالقنيطرة، فإننا لا نتحدث فقط عن تصويت عقابي ضد إخفاقات الحكومة أو زوابعها، بل هو أساساً وبشكل كبير “بطاقة حمراء” في وجه سوء التدبير والتسيير الذي طبع مرحلة الرئيسة أمينة حروزة وأغلبيتها بالمجلس الحضري، وتعبير صريح عن سخط الساكنة إزاء فشلها الذريع في تنزيل مجموعة من المشاريع التي ظلت مجرد حبر على ورق.
أما “ميزان” الاستقلال فقد اختل توازنه بشكل لافت، متدحرجاً من 3,235 صوتاً إلى 1,340 صوتاً، في حين تراجع “جرار” الأصالة والمعاصرة من 5,387 إلى 4,623 صوتاً.
في الضفة الأخرى، وبزيادة تجاوزت ثلاثة آلاف صوت، عاد حزب العدالة والتنمية لينفض الغبار عن “مصباحه” ويسجل أقوى صعود في المجال الحضري، قافزاً من 5,602 إلى 8,726 صوتاً، ليتربع على صدارة المشهد كأكبر قوة انتخابية منفردة داخل المدينة.
وهنا يجب أن نضع النقط على الحروف. تشريعيات 2026 لم تكن مجرد جولة إحماء أو تصويت عقابي عابر، بل أعطتنا صورة كاملة وواضحة المعالم للانتخابات الجماعية المقبلة بالقنيطرة، والتي تفصلنا عنها سنة واحدة بالضبط (2027). الأرقام تتحدث بلسان فصيح وتقول إننا لسنا أمام مجرد “احتمالات”، بل أمام واقع سياسي جديد حُسمت خطوطه العريضة.
فمع هذا التقهقر المدوي والسقوط الحر لأحزاب التحالف الثلاثي (الأحرار، البام، والاستقلال) التي تسير المجلس اليوم، بات من المتوقع جداً، بل ومن شبه المحسوم لغةً وحساباً، أن تكتسح أحزاب العدالة والتنمية، والحركة الديمقراطية الاجتماعية، والاتحاد الدستوري أغلبية المقاعد في المحطة الجماعية المقبلة.
الأكثر من ذلك، فإن هذه النتائج الموثقة تضعنا أمام سيناريو “الأغلبية المطلقة”. فإذا ما نجح هذا الثلاثي (البيجيدي، الحركة، والاتحاد الدستوري) في توقيع ميثاق تحالف محكم بعد الفرز، فإنهم سيتربعون على تسيير مدينة القنيطرة بأغلبية كاسحة ومريحة لا تحتاج إلى “تخريجات” اللحظة الأخيرة ولا لـ”تبزنيس” التحالفات الهشة. وهو ما يعني أن أغلبية اليوم، التي كانت تعتقد أن القنيطرة طابو مسجل باسمها، ستجد نفسها محشورة في زاوية المعارضة الضيقة.
خلاصة القول، تشريعيات 2026 في القنيطرة مسحت السبورة وكتبت معادلة جديدة لا تحتمل التأويل. لقد منحتنا “ترايلر” الفيلم الجماعي لـ 2027 قبل موعد عرضه بسنة كاملة: أحزاب الأغلبية تنزف وتنهار، وأحزاب المعارضة تتأهب لاستلام مفاتيح المدينة بأغلبية مطلقة.
أمام الأحزاب اليوم سنة كاملة فقط قبل انطلاق المعركة الانتخابية الكبرى.
لكن الرسالة القادمة من صناديق القنيطرة واضحة ولا تحتاج إلى ترجمان: من استخف بأصوات التشريعيات، سيبكي في الجماعيات.. والأيام بيننا!

