شريط الاخبار

استخدمونا لقتل الشعب ثم رمونا في السجون”.. ضابط جزائري يروي كيف هرب من مسلخ الجنرالات

بقلم: أمغار الاندلسي

تصل بنا مذكرات الضابط الجزائري المنشق حبيب سويدية، “الحرب القذرة”، إلى فصولها الختامية المليئة بالمرارة وخيبة الأمل. ففي 27 يونيو 1999، وبعد أربع سنوات كاملة قضاها في جحيم سجن البليدة العسكري، انفتحت أبواب الزنزانة أخيراً ليخرج سويدية إلى عالم لم يعد يعرفه.

لكن هواء الحرية كان ملغوماً؛ ففي يوم خروجه بالذات، اغتيل شرطي في تيزي أوزو وقُتل جندي في كمين بالعوانة، ليُدرك أن آلة الموت التي طحنته ما زالت تدور بلا هوادة. ولم يكد يطأ عتبة بيت عائلته في تبسة، حتى بدأ الحصار النفسي؛ اتصالات مريبة من النقيب عبد الحق (الذي رُقي ونُقل إلى سيدي بلعباس)، وزيارات متكررة من ضباط المخابرات الذين عرضوا عليه العودة للعمل معهم.

كان سويدية يدرك جيداً أن هذه العروض ليست سوى فخاخ لاختبار نواياه، وأنهم يراقبون كل أنفاسه خشية أن يفتح فمه أو يلتحق بالجبال انتقاماً. لقد أصبح هدفاً متحركاً، يعلم يقيناً أنه لو شُك في أمره، فسيتم تصفيته برصاصة قناص وتُقيد الجريمة كالعادة ضد “الجماعة الإسلامية المسلحة”، ليُطوى ملفه تحت مانشيت صحفي بارد: “مظلي سابق تقتله جماعة إرهابية”.
ومع تنفسه خارج الأسوار، صُدم سويدية بالتغير الدراماتيكي الذي طرأ على المجتمع. لقد أفرزت “العشرية السوداء” طبقة جديدة من الأثرياء؛ بينما كان هو وزملاؤه يخاطرون بحياتهم في جبال بني مسوس والأخضرية، أو يتعفنون في السجون ظلماً، كان كبار العسكريين ورجال الشرطة والجمارك، بل وحتى بعض القيادات الإسلامية والسياسيين، يملأون جيوبهم من اقتصاد الحرب، مشيدين الفيلات الفخمة وراكبين أحدث السيارات.

زادت خيبة أمله مع صعود عبد العزيز بوتفليقة للسلطة وإعلانه “الوفاق المدني”، الذي تم بموجبه العفو عن آلاف المسلحين. شعر سويدية بالقرف وهو يرى القتلة الحقيقيين يُعفى عنهم ويتجولون بحرية، بل ويظهرون على شاشات التلفزيون كـ”تائبين” (الذين لم يَرَ في وجوه بعضهم سوى عملاء للمخابرات دُسوا سابقاً لتأجيج المذابح)، بينما يقبع الضباط الشرفاء في سجن البليدة دون أي عفو لأنهم ببساطة لم يرتكبوا أي ذنب يُعفى عنه! لقد أدرك أن السلطة في الجزائر تملك حق الحياة والموت؛ تسجن وتقتل من تشاء، وتعفو عمن تشاء، في تكريس مطلق لشرعية الطغابة.

وأمام هذا العبث، وفي ظل استمرار الاغتيالات السياسية كتصفية الزعيم الإسلامي عبد القادر حشاني أواخر 1999 بـ”السيناريو التقليدي” الجاهز، حسم سويدية قراره: الهروب من الجزائر مهما كلف الأمر. لكن الرحيل لم يكن سهلاً؛ فقد واجه تعنتاً إدارياً لشطب اسمه من سجلات الجيش، ليتفاجأ بأنه جُرد من رتبته العسكرية وأُنزل إلى رتبة “جندي بسيط” كإجراء عقابي أخير لتصفية الحسابات معه وحرمانه من أي حقوق.

رغم ذلك، استعاد حريته المدنية وبدأ رحلة البحث عن “جواز سفر إلى العالم الحر”. وهنا، يفضح سويدية في مذكراته واحدة من أقذر تجارات “المافيا العسكرية” في الجزائر: بيع تأشيرات السفر. يؤكد الكاتب أن جنرالات من أعلى المستويات يسيطرون على شبكات تهريب البشر الأنيقة هذه، مستخدمين أبناءهم وحراسهم كوسطاء للتفاوض مع موظفين مرتشين في السفارات الأجنبية (فرنسا، إسبانيا، إيطاليا) لإصدار تأشيرات “حقيقية-مزيفة” بأسعار تتراوح بين 6 آلاف و10 آلاف فرنك فرنسي. بل إن هناك وكالات في العاصمة تبيع تأشيرات لأمريكا وبريطانيا تصل أسعارها إلى 15 ألف فرنك.
ولكي ينجو بحياته، اضطر سويدية للعب وفق قواعد هذا النظام الفاسد. استعان بابن مسؤول عسكري كبير، ودفع له 6 آلاف فرنك ليحصل على تأشيرة فرنسية في ظرف شهر واحد. ولضمان مروره الآمن من مطار عنابة دون تفتيش حقائبه (التي كانت تحوي أوراقه العسكرية التي تثبت هويته الغربية وشهادته)، دفع رشاوي بقيمة ألفي فرنك لقاضٍ متواطئ تكفل بتمريره بسلاسة عبر شرطة الحدود، ليغادر بلده وكأنه “رسالة بريد” لا تُفتش، لدرجة أنه كان يمكنه حمل قنبلة والصعود بها للطائرة بفضل هذا الفساد المستشري!

في أبريل 2000، حطت طائرة سويدية في باريس، حاملاً معه أوجاعه وذكرياته الدامية. لكن طريق المنفى لم يكن مفروشاً بالورود؛ واجه التهميش والشك، واصطدم بنفاق بعض وسائل الإعلام الفرنسية التي رفضت نشر شهادته خوفاً على مصالحها الاقتصادية مع جنرالات الجزائر، بينما تعرضت عائلته وأصدقاؤه في تبسة للترهيب والاعتقال.

وبعد خمسة أشهر من المعاناة بلا مأوى، حصل أخيراً على صفة “لاجئ سياسي” أواخر عام 2000. ورغم مرارة الغربة، ختم سويدية مذكراته بعهد قاطع: النضال حتى النهاية لجرّ الجنرالات المجرمين، الذين أحرقوا الجزائر وحطموا شبابها، إلى المحاكم الدولية ليدفعوا ثمن دماء 150 ألف ضحية.

شارك المقال شارك غرد إرسال