عينك ميزانك _ نايت اوصالح
حين وقف رئيس الحكومة تحت قبة البرلمان ليستعرض حصيلة ولايته الحكومية، كانت لغة الأرقام تتحدث بصوت مرتفع. أرقام تبشر بالخير على: نمو يقارب 4.8%، واستثمارات عمومية تلامس 380 مليار درهم، وميزانيات غير مسبوقة لقطاعات الصحة والتعليم. بصراحة، من يقرأ هذه المؤشرات الماكرو-اقتصادية سيقول “تبارك الله”، وسيشعر أن عجلة التنمية تدور في الاتجاه الصحيح. لكن المشكلة تبدأ حين نخرج من القاعات المكيفة للبرلمان ونهبط إلى الشارع، حيث يصطدم هذا “الحساب الزوين” بواقع يومي عنيد، وحيث يطرح المواطن العادي سؤالا بسيطا: “أين نصيبي من هذه الأرقام في قفتي اليومية؟”.
الحكومة تتحدث، وبحق، عن مجهود مالي ضخم في ورش الدعم الاجتماعي المباشر، بضخ أكثر من 52 مليار درهم، إلى جانب تحمل تكاليف “أمو تضامن”. هذه إنجازات لا يمكن إنكارها في مسار الدولة الاجتماعية، لكن “اللي يدو في النار ماشي بحال اللي يدو في الما”. فهذا الدعم المادي، الذي جاء ليفك العزلة عن ملايين الأسر، يجد نفسه وجها لوجه أمام غول اسمه التضخم. المواطن “الدرويش” يأخذ الدعم باليمنى، لتدخل الأسواق وتأخذه باليسرى. فما الفائدة من دراهم معدودات تضاف إلى الدخل، إذا كانت أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية تلتهمها قبل أن تصل إلى الجيب؟
في “السويقة”، لا أحد يهتم بنسبة النمو أو العجز في الميزانية. المؤشر الحقيقي هناك هو ثمن مطيشة والبطاطس والبصل. صحيح أن الجفاف قسا علينا هذا العام، لكن الأسعار حين ترتفع لا تعود إلى طبيعتها بسهولة، وكأن هناك من يستغل الظرفية. هنا يتدخل “الشناقة” والوسطاء الذين يربحون في الأزمات أكثر مما يربح الفلاح الذي حفر الأرض بيديه. اللحوم الحمراء بدورها أصبحت لمن استطاع إليها سبيلا، وهذا يحتم على الجهات المسؤولة أن تنزل من أبراج المراقبة إلى الميدان، لضبط مسالك التوزيع وحماية جيوب الناس من هذا الغلاء الذي لا يرحم.
ومن نار السوق، ينتقل الآباء إلى رمضاء التعليم الخصوصي. فرغم الجهود المبذولة لإنقاذ المدرسة العمومية عبر مشروع “مدارس الريادة”، لا يزال التعليم الخاص يفرض نفسه كخيار شبه حتمي بالنسبة للطبقة المتوسطة. وما أدراك ما التعليم الخاص في بعض المؤسسات التي تطبق قاعدة “زيد الما زيد الدقيق”. بين رسوم التسجيل التي تقصم الظهر، والأقساط الشهرية، ومصاريف النقل واللوازم التي لا تنتهي، يجد الموظف أو الأجير نفسه يشتغل شهورا طويلة فقط لتسديد فاتورة تمدرس أبنائه، وهو عبء صامت يستنزف الأسر ويجعلها في حالة قلق مالي مستمر.
في النهاية، لا أحد ينكر أن الحكومة تقوم بمجهودات لتحريك عجلة الاقتصاد الكلي، لكن “المندبة كبيرة والميت فار” حين يتعلق الأمر بالاقتصاد المعيشي. نجاح أي سياسة عمومية لا يقاس فقط بما يُكتب في تقارير المندوبية السامية للتخطيط، بل بما يتبقى في جيب المواطن في نهاية الشهر.
المسافة بين “الماكرو” و”الميكرو” لا تزال شاسعة، والميزان الحقيقي لنجاح هذه المرحلة هو إيجاد حلول ملموسة تجعل منحنى الأسعار يهدأ، ليحس المغاربة فعلا أن تلك الأرقام البرلمانية الجميلة، قد وجدت طريقها أخيرا إلى موائدهم.
