يظهر ملف مكافحة الإرهاب في المغرب، عند قراءته من زاوية التقارير الدولية لا من زاوية الخطاب السياسي، كأحد أكثر الملفات التي راكمت إشارات تقييم إيجابية من مؤسسات متعددة، تختلف مرجعياتها لكنها تلتقي عند فكرة أساسية: وجود مقاربة أمنية متعددة الأدوات، تتجاوز منطق التدخل الأمني التقليدي نحو نموذج أوسع يقوم على الوقاية والتنسيق والتتبع المالي والفكري.
في مقدمة هذه التقييمات، تبرز الولايات المتحدة عبر تقارير وزارة خارجيتها السنوية حول الإرهاب (Country Reports on Terrorism)، التي تصف المقاربة المغربية بأنها “شاملة”، تجمع بين الصرامة العملياتية في مواجهة التهديدات، وبين برامج موازية تستهدف تفكيك بيئة التطرف. التقارير نفسها تشير إلى استمرار تعاون استخباراتي وثيق بين الرباط وواشنطن، خصوصاً في ما يتعلق بتبادل المعلومات حول الشبكات المتطرفة وتتبع الخلايا النشطة، وهو تعاون تُترجم نتائجه، وفق المعطيات المنشورة، في تفكيك عدد مهم من الخلايا وإحباط مخططات هجمات خلال السنوات الأخيرة.
الملاحظ في هذا التقييم الأمريكي ليس فقط الإقرار بالنجاعة الأمنية، بل أيضاً التركيز على ما تسميه التقارير بـ”اليقظة الأمنية المستمرة”، والتي تعتبرها عاملاً حاسماً في الحد من مخاطر التنظيمات المتطرفة، رغم استمرار ظهور خلايا صغيرة غالباً ما ترتبط أو تتأثر بتنظيم “داعش” أو بامتداداته الرقمية.
على الضفة الأخرى من الأطلسي، تتناول دراسات أوروبية، من بينها تقارير صادرة عن مراكز بحث مثل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، المغرب باعتباره شريكاً محورياً للاتحاد الأوروبي في جنوب المتوسط في مجال مكافحة الإرهاب. هذه التقارير لا تكتفي بالإشادة بالقدرات العملياتية، بل تركز على تطور أدوات الرصد الاستخباراتي، واعتماد تقنيات تتبع متقدمة، إلى جانب شبكات بشرية ميدانية ساهمت في تعزيز فعالية الاستباق الأمني.
وفي الوقت الذي تسجل فيه هذه الدراسات مستوى عالياً من الكفاءة، فإنها تطرح أيضاً زاوية تحليلية موازية، تربط بين النجاعة الأمنية المغربية وبين ما تعتبره بعض الأوساط الأوروبية نموذجاً صارماً في تدبير المجال الديني والاجتماعي، يُوظف كآلية وقائية للحد من تشكل بيئات حاضنة للتطرف قبل انتقالها إلى الفعل العنيف.
إلى جانب البعد الأمني التقليدي، تبرز مؤسسات مالية وتقنية دولية كعنصر تقييم إضافي في هذا الملف. فمجموعة العمل المالي (FATF) وهيئات إقليمية مرتبطة بها، مثل MENAFATF، وضعت المغرب ضمن الدول التي سجلت تقدماً ملحوظاً في تحديث منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. هذا التقدم لا يُقرأ فقط كإنجاز إداري أو قانوني، بل كجزء من بنية أوسع تستهدف تجفيف مصادر التمويل غير المشروع التي تغذي الشبكات المتطرفة، بما في ذلك القنوات المالية غير الرسمية والمعاملات العابرة للحدود.
في السياق ذاته، تشير تقارير إعلامية دولية، إلى جانب وثائق رسمية أمريكية، إلى اعتماد المغرب مقاربة “متكاملة” في مكافحة الإرهاب، تقوم على تلاقي ثلاثة مستويات: العمل الأمني المباشر، التعاون الدولي، وإعادة هيكلة الحقل الديني ضمن برامج تهدف إلى تقليص فرص الاستقطاب الأيديولوجي.
ما يجمع هذه القراءات المختلفة، رغم تباين خلفياتها، هو أنها تنظر إلى التجربة المغربية باعتبارها منظومة مركبة، لا تختزل في الجانب الأمني الصرف، بل تمتد إلى البنية القانونية والمالية والدينية التي تُحيط بظاهرة الإرهاب. وهو ما يفسر، وفق عدد من التقارير، استمرار حضور المغرب في شبكات التعاون الأمني الدولية، ليس فقط كطرف متلقٍّ للمعلومات، بل كفاعل يساهم في إنتاجها وتطويرها.
وبعيداً عن النقاشات السياسية التي قد تحيط بهذا الملف في بعض السياقات الإقليمية، فإن ما يظهر من خلال هذه التقارير المتراكمة هو أن تقييم التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب لم يعد حكراً على مصدر واحد، بل أصبح نتيجة تفاعل بين مؤسسات أمنية، وهيئات مالية، ومراكز بحث، ووسائل إعلام دولية، تلتقي جميعها عند ملاحظة مركزية: وجود نموذج أمني قائم على الاستباق والتنسيق وتعدد الأدوات.
