عندما تستمع اليوم لأسطوانات الجيران المشروخة، وتراهم ينفخون في أبواق “القوة الضاربة” و”الدولة القارة”، يخيل إليك أنك أمام إمبراطورية حكمت نصف الكرة الأرضية. لكن، وكما يقال عندنا “المزوق من برا، أش خبارك من لداخل؟”، فإن التاريخ لا يرحم، ولا يمكن تزويره بجرة قلم أو بتصريحات بهلوانية في قنوات الصرف الصحي. الحقيقة المرة التي يهربون منها، هي أن هذه الرقعة الجغرافية كانت تاريخياً تعاني من هشاشة مزمنة وضعف بنيوي، بلا جذور دولة حقيقية ولا سيادة أصلية.
من الخوف الإسباني.. إلى العباءة العثمانية
دعونا نعود إلى الأصل، ونفتح أوراق التاريخ التي يخشونها. لم تكن هذه الجغرافيا تمتلك في يوم من الأيام مناعة ذاتية لحماية نفسها. فعندما لاحت أشرعة الأساطيل الإسبانية في الأفق، وبلغت القلوب الحناجر خوفاً من الاحتلال، لم يجد القوم جيشاً نظامياً ولا قيادة محلية تذود عن الحياض. ماذا فعلوا؟ لجأوا إلى الحل الأسهل: **الاستقواء بالأجنبي**.
استنجدوا بالعثمانيين، وبكوا على أبواب الباب العالي في الآستانة لحمايتهم. جاء العثمانيون، نعم، لكنهم لم يأتوا كجمعية خيرية، بل جاؤوا كأسياد وحكام. تحولت البلاد إلى مجرد “إيالة” (ولاية تابعة)، يحكمها دايات وانكشارية يعينون من وراء البحار. اعتقد الأهالي أنهم احتموا بجدار متين، ولم يدركوا أن من يستعير سلاح غيره ليحمي ظهره، سيبقى دائماً تحت رحمة من يملك السلاح.
سقوط القناع في “سيدي فرج”
استمر هذا الوهم لثلاثة قرون، وهم ينعمون تحت ظل عباءة السلطان العثماني، حتى جاء يوم الحساب الحقيقي. في 14 يونيو 1830م، نزلت القوات الفرنسية في شبه جزيرة “سيدي فرج”. هنا، كان يجب على “الحامي” العثماني أن يظهر بطولاته التي تغنى بها طويلاً. لكن، ما الذي حدث؟
مجرد أن زمجر المدافع الفرنسية، وبدأ الزحف نحو العاصمة، انهارت الأسطورة. القوات الانكشارية العثمانية التي كانت تستأسد على الأهالي العزل، تبخرت أمام جيش فرنسي منظم. وبمجرد سقوط “حصن الإمبراطور” وتدميره في الرابع من يوليو، انكشفت العورة العسكرية بالكامل. لم تصمد “القوة الضاربة العثمانية” المزعومة حتى لأيام معدودات.
الداي حسين.. وبيع الجمل بما حمل
في قصر القصبة، عاش الداي حسين أيامه الأخيرة معزولاً، يرتعد خوفاً بعد أن تخلى عنه الباب العالي الذي تحطم أسطوله في معركة “نافارين” ولم يحرك ساكناً لنجدة إيالته. وبدل أن يقود الداي العثماني مقاومة تاريخية تليق بشرف العسكرية دفاعاً عن الأرض التي استنزف خيراتها لقرون، اختار أقصر الطرق: الاستسلام وتأمين الرقبة والثروة.
عقد الداي مجلسه الطارئ مع ديوانه، وقرروا أن المواجهة “انتحار”. وفي ليلة الخامس من يوليو المشؤومة، وقع الداي حسين بكل برودة دم على “معاهدة دي بورمن”. لم تكن تلك معاهدة سلام، بل كانت “عقد بيع وتفويت” صريح. سلم العثمانيون مفاتيح الجزائر للفرنسيين في طبق من ذهب، مقابل وعود ساذجة تضمن للداي حريته الشخصية، وأمواله، وحريمه، واختيار مكان منفاه.
تبخر الوعود وضريبة التبعية
لقد اشترى الداي حسين سلامته ببيع وطن بأكمله. ومثل أي صفقة استسلام مهينة، لم تحترم فرنسا وعودها الكاذبة باحترام الدين والأملاك. فبمجرد خروج الداي سالماً غانماً بأمواله، التهم الاحتلال كل شيء: نهبوا الخزينة، صادروا الأملاك، وحولوا المساجد إلى ثكنات واسطبلات.
ترك العثمانيون الأهالي يواجهون مصيرهم الأسود وحدهم أمام أعتى آلة استعمارية استيطانية. هكذا هو التاريخ عندما تقرأه بدون مساحيق التجميل؛ يعلمنا أن من لا يملك مقومات الدولة الأمة القائمة على أسس متينة، ومن يرهن سيادته في يد الأجنبي خوفاً من عدو، سينتهي به المطاف مباعاً في أول مزاد علني يعقده الأقوياء.
شوف تشوف.. العثمانيون الذين جاؤوا كطوق نجاة من الإسبان، غادروا بعد ثلاثة قرون كوسطاء عقاريين، سلموا “السوارت” لفرنسا، وركبوا سفنهم وكأن شيئاً لم يكن. فهل يتعظ نافخو الأبواق اليوم من دروس الأمس؟ أشك في ذلك.