حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم تعد ساحة المدرسة وحدها المكان الذي يمكن أن يتعرض فيه التلميذ للسخرية أو الإقصاء أو الإهانة. فمع انتشار الهواتف الذكية ومجموعات التواصل بين التلاميذ، انتقل جزء من هذه السلوكيات إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن لصورة أو تعليق أو تسجيل صوتي أن ينتشر بين عشرات الزملاء خلال دقائق.

وتزداد حساسية الظاهرة عندما يتعلق الأمر بمجموعات الأقسام على تطبيقات مثل واتساب، التي يفترض أن تكون وسيلة لتبادل المعلومات الدراسية، لكنها قد تتحول أحياناً إلى فضاء للسخرية من أحد التلاميذ، أو تداول صوره دون إذنه، أو إطلاق ألقاب مهينة عليه، أو استبعاده بشكل متعمد من المجموعة.

وأعادت SNRT News، في مادة منشورة يوم 19 شتنبر 2026، النقاش حول التنمر الرقمي باعتباره امتداداً للتنمر المدرسي خارج أسوار المؤسسة التعليمية. فالإساءة لا تنتهي بالعودة إلى المنزل، بل يمكن أن تستمر عبر الهاتف وفي أوقات يفترض أن يكون فيها التلميذ بعيداً عن أجواء المدرسة.

متى يتحول المزاح إلى تنمر؟

ليس كل تعليق ساخر أو مزحة بين التلاميذ تنمراً بالضرورة. الفارق يرتبط بطبيعة السلوك وتكراره وتأثيره على الشخص المستهدف.

فعندما تصبح السخرية متكررة، أو تستهدف تلميذاً بعينه، أو تتضمن الإهانة والتهديد والتشهير ونشر الصور أو المعلومات الشخصية دون موافقته، فإن الأمر يتجاوز المزاح، خصوصاً إذا كان الضحية عاجزاً عن إيقاف السلوك أو يشعر بالخوف والضغط نتيجة استمرار المجموعة في استهدافه.

وتكمن خطورة التنمر الرقمي أيضاً في سرعة انتشار المحتوى وإمكانية الاحتفاظ به وإعادة مشاركته. وقد يجد التلميذ نفسه أمام جمهور أوسع من زملائه في القسم، بينما يصبح حذف المنشور أو الرسالة بعد انتشارها أمراً غير مضمون.

ماذا ينبغي أن يفعل التلميذ؟

ينصح في حالات الإساءة الرقمية بعدم الدخول في مشادات طويلة مع المتنمرين، مع الاحتفاظ بالأدلة التي تثبت ما حدث. ويمكن، بحسب طبيعة الواقعة، أخذ لقطات للشاشة تتضمن الرسائل أو الصور أو أسماء الحسابات وتاريخ النشر، بدل حذف كل شيء فوراً.

كما ينبغي إخبار أحد الوالدين أو شخص بالغ موثوق، ثم التواصل مع إدارة المؤسسة التعليمية عندما تكون الواقعة مرتبطة بتلاميذ أو بأجواء المؤسسة. وفي الحالات التي تتضمن تهديداً أو ابتزازاً أو نشر محتوى خاص، ينبغي طلب مساعدة الجهات المختصة وعدم التعامل مع الأمر باعتباره مجرد “مشكل بين التلاميذ”.

أما الزملاء الذين يشاهدون التنمر، فدورهم لا يقل أهمية. مشاركة المنشور أو الضحك عليه أو إعادة إرساله قد تجعلهم جزءاً من المشكلة، حتى لو لم يكونوا أصحاب المبادرة الأولى.

المسؤولية لا تقع على التلميذ وحده

مواجهة التنمر الرقمي تتطلب أيضاً حضور الأسرة والمدرسة. فالمطلوب ليس فقط مراقبة استعمال الهاتف، وإنما تعليم الأطفال والمراهقين قواعد التعامل المسؤول مع الصور والمعلومات والحسابات والرسائل، وشرح أن ما ينشر على الإنترنت قد تكون له آثار حقيقية على حياة شخص آخر.

وفي فبراير 2026، نظمت وزارة التربية الوطنية ورشات توعوية حول الاستخدام الآمن للإنترنت، تناولت من بين مواضيعها التنمر الإلكتروني وحماية المعطيات الشخصية، بما يعكس إدراج السلامة الرقمية ضمن القضايا التربوية التي تستدعي مزيداً من التوعية.

ويبقى التعامل المبكر مع الحالات أكثر فاعلية من انتظار تفاقمها. فالتلميذ الذي يتعرض للسخرية المتكررة أو الإقصاء أو التهديد داخل مجموعة رقمية يحتاج قبل كل شيء إلى أن يجد شخصاً بالغاً يستمع إليه ويأخذ شكواه بجدية، بعيداً عن التقليل من الأمر باعتباره مجرد “مزاح أطفال”.

فالرسالة التي تُكتب في ثوانٍ قد تترك أثراً طويلاً، والصورة التي يشاركها تلميذ على سبيل المزاح قد تتحول إلى مصدر معاناة حقيقية لشخص آخر. ولهذا أصبحت التربية على الاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي جزءاً من حماية التلاميذ داخل المدرسة وخارجها.