حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

أصبح التعاون العسكري المتنامي بين المغرب وإسرائيل أحد الملفات التي تستأثر باهتمام الدوائر الأمنية الإسبانية، في ظل حصول الرباط خلال السنوات الأخيرة على منظومات عسكرية إسرائيلية متطورة تشمل الذخائر الجوالة وراجمات الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، إلى جانب قدرات محتملة في مجال الاستطلاع الفضائي.

 

ولا يعني التعاون العسكري بين الرباط وتل أبيب أن الأسلحة الإسرائيلية الموجهة إلى المغرب مخصصة لمواجهة إسبانيا، غير أن التطور المتسارع للقدرات العسكرية المغربية، إلى جانب القرب الجغرافي بين ضفتي مضيق جبل طارق، يفرض نفسه ضمن الحسابات الاستراتيجية والدفاعية في مدريد.

 

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الأنظمة التي دخلت أو يرتبط اسم المغرب بالحصول عليها، إذ تجمع بين قدرات الاستطلاع والرصد والضربات الدقيقة والدفاع الجوي، ما يعكس توجهاً نحو تعزيز منظومة عسكرية أكثر تكاملاً.

 

ومن بين أبرز الأسلحة الإسرائيلية المرتبطة بتحديث الترسانة المغربية ذخائر Harop الجوالة، التي تجمع بين مهام الاستطلاع والهجوم. وتتميز هذه الذخائر بقدرتها على التحليق لمسافات طويلة والبحث عن أهداف قبل مهاجمتها، فيما تشير المعطيات التقنية المتداولة إلى مدى قد يصل إلى نحو ألف كيلومتر.

 

وبالنظر إلى الموقع الجغرافي لشمال المغرب، فإن المدى النظري لهذه المنظومة يتجاوز المسافة الفاصلة بين الضفتين المغربية والإسبانية، ما يجعل قدرتها على الوصول إلى مناطق بعيدة عاملاً يستحق المتابعة من الناحية العسكرية، خصوصاً أنها توفر خيار تنفيذ ضربات دون الاعتماد حصراً على الطائرات المقاتلة التقليدية.

 

وفي مجال القوة الصاروخية، عزز المغرب أيضاً قدراته من خلال منظومة PULS متعددة العيارات، التي تنتجها شركة Elbit Systems الإسرائيلية. وتتيح هذه المنظومة إطلاق أنواع مختلفة من الذخائر والصواريخ بمديات متفاوتة، يصل بعضها إلى نحو 300 كيلومتر.

 

وتبقى القدرة العملياتية الفعلية مرتبطة بطبيعة الذخائر المستخدمة ومكان نشر المنظومة، غير أن انتشار راجمات بعيدة المدى في مناطق شمال المملكة يجعل جنوب إسبانيا ضمن نطاق نظري لبعض الصواريخ الأطول مدى.

 

أما في مجال الدفاع الجوي، فتبرز منظومة SPYDER الإسرائيلية، التي طورتها شركة Rafael، باعتبارها من الأنظمة التي تعزز قدرة القوات المغربية على مواجهة التهديدات الجوية.

 

وتتوفر المنظومة بعدة نسخ تختلف من حيث المدى وطبيعة الصواريخ المستخدمة. فالنسخ القصيرة المدى مخصصة لاعتراض الأهداف ضمن مسافات محدودة، بينما توفر الإصدارات الأكثر تطوراً قدرة اشتباك أبعد، تصل، بحسب النسخة والتجهيزات المستخدمة، إلى نحو 80 كيلومتراً.

 

ويعني ذلك أن أهمية هذه المنظومة بالنسبة للمغرب لا ترتبط بالقدرات الهجومية، وإنما بتوفير مظلة دفاعية لحماية القوات والمنشآت والمواقع الاستراتيجية من الطائرات والمسيّرات والتهديدات الجوية الأخرى.

 

ولا يتوقف التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي عند حدود الأسلحة التقليدية، إذ يمتد أيضاً إلى مجالات الاستطلاع والمراقبة. وارتبط اسم المغرب بتقارير تتحدث عن اهتمام أو صفقات محتملة تتعلق بالحصول على قدرات فضائية إسرائيلية، من بينها أقمار مخصصة للاستطلاع.

 

وفي حال تطوير هذه القدرات، فإنها قد تمنح الرباط وسائل إضافية لجمع المعلومات ومراقبة مناطق واسعة ورصد التحركات والمنشآت، وهي قدرات أصبحت تشكل جزءاً أساسياً من الحروب الحديثة، حيث يرتبط الاستطلاع بشكل مباشر بعمليات القيادة واتخاذ القرار وتحديد الأهداف.

 

وتزداد أهمية هذه التطورات بسبب خصوصية الجغرافيا بين المغرب وإسبانيا، إذ لا تفصل بين شمال المملكة والجنوب الإسباني سوى مسافة قصيرة عبر مضيق جبل طارق، بينما تقع مدينتا سبتة ومليلية في موقع جغرافي شديد الحساسية على الساحل المتوسطي للمغرب.

 

ومن هذا المنطلق، فإن أي تحديث في قدرات الاستطلاع أو الدفاع الجوي أو القوة الصاروخية المغربية يمكن أن ينعكس على التقييمات الاستراتيجية الإسبانية، حتى في غياب مؤشرات على وجود مواجهة عسكرية مباشرة بين البلدين.

 

ويبدو أن مصدر الاهتمام الإسباني لا يرتبط بمنظومة عسكرية واحدة، بل بالصورة الكاملة التي يرسمها تحديث القوات المسلحة المغربية. فالرباط تعمل على تطوير قدراتها في مجالات متعددة تشمل الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة والصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى وسائل الاستطلاع الحديثة.

 

ويشكل التعاون مع إسرائيل أحد عناصر هذا التحول، خاصة في ظل امتلاك الصناعات العسكرية الإسرائيلية خبرة واسعة في مجالات الطائرات بدون طيار والدفاع الجوي والذخائر الذكية والاستطلاع الإلكتروني.

 

وبينما لا توجد مؤشرات معلنة على أن إسرائيل تزود المغرب بالسلاح بهدف تغيير ميزان القوى مع إسبانيا، فإن التطور النوعي للقدرات العسكرية المغربية يظل عاملاً حاضراً في الحسابات الأمنية لمدريد.

 

فالأسلحة الحديثة لا تقاس أهميتها بمدى وصولها فقط، وإنما أيضاً بقدرتها على جمع المعلومات ودقة الإصابة وسرعة الانتشار وقدرتها على حماية القوات والمنشآت.

 

ومع استمرار المغرب في تحديث ترسانته العسكرية، بات التعاون الدفاعي مع إسرائيل جزءاً من المعادلة الأمنية الجديدة في غرب البحر المتوسط. وهو تطور يدفع إسبانيا إلى متابعة مسار هذا التعاون باهتمام، بالنظر إلى القرب الجغرافي وحساسية منطقة مضيق جبل طارق وسبتة ومليلية.

 

وفي النهاية، فإن التحول الأبرز لا يتعلق بامتلاك المغرب منظومة إسرائيلية بعينها، بل بتراكم قدرات عسكرية حديثة على الضفة الجنوبية للمتوسط، تجمع بين الاستطلاع والضربات الدقيقة والدفاع الجوي.

 

وهو ما يجعل تحديث القوات المسلحة المغربية عاملاً متزايد الأهمية في التوازنات الأمنية الإقليمية، ويضع التعاون العسكري بين الرباط وتل أبيب ضمن الملفات التي ستظل حاضرة في حسابات مدريد خلال السنوات المقبلة.