حجم الخط + -
6 دقائق للقراءة

لم تعد المواجهة بين سيارات الأجرة التقليدية وتطبيقات النقل الذكية في المغرب مجرد خلاف مهني حول من يملك الحق في نقل الركاب، بل تحولت تدريجيا إلى اختبار حقيقي لقدرة منظومة النقل الحضري على التكيف مع عادات جديدة للمستهلكين. ففي الوقت الذي يخوض فيه جزء من مهنيي سيارات الأجرة معارك ميدانية ضد السائقين العاملين عبر التطبيقات، يبدو أن شريحة متزايدة من المغاربة بدأت تحسم موقفها بطريقة مختلفة: تختار الخدمة التي توفر لها ما تريده بأقل قدر من التعقيد.

المفارقة أن هذا التحول لا يعني أن المغاربة تخلوا عن سيارات الأجرة. أحدث المعطيات المتوفرة تشير إلى أن 72 في المائة من المغاربة ما زالوا يعتمدون على وسائل النقل العمومي، وتأتي سيارات الأجرة الصغيرة في مقدمة هذه الوسائل بنسبة استخدام تبلغ 50 في المائة، متقدمة على سيارات الأجرة الكبيرة والحافلات. لكن في المقابل، فإن تجربة من وصلوا إلى تطبيقات النقل تكشف عن تحول مهم في تصور جودة الخدمة. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Sunergia بشراكة مع صحيفة “ليكونوميست” أن 76 في المائة من مستخدمي خدمات النقل عبر التطبيقات يعتبرونها أفضل من سيارات الأجرة الصغيرة، مقابل 17 في المائة يرون أن الخدمتين متقاربتان، و4 في المائة فقط يفضلون سيارات الأجرة التقليدية.

هذه الأرقام تكشف أن المعركة الحقيقية ليست بالضرورة بين “سيارة” و”سيارة”، وإنما بين نموذجين مختلفين في تقديم الخدمة. نموذج تقليدي يعتمد على سيارة تجوب الشارع بحثا عن زبون، أو يقف فيها الراكب على قارعة الطريق في انتظار سيارة شاغرة، ونموذج رقمي يبدأ من الهاتف: يحدد الراكب مكانه، وجهته، وفي كثير من الحالات السعر المتوقع، ثم يتابع وصول السيارة عبر الخريطة.

بالنسبة للمستهلك، الفارق يبدو بسيطا لكنه حاسم. التطبيق يمنحه إحساسا أكبر بالتحكم في الرحلة قبل أن تبدأ. يعرف موقع السيارة، ويتلقى بيانات السائق والمركبة، ويمكنه تتبع المسار، كما أن عملية طلب الخدمة لا تتطلب الوقوف في الشارع أو البحث عن سيارة شاغرة. وفي تجربة المدن الكبرى، حيث تتداخل حركة المرور مع ضغط الوقت، أصبحت هذه التفاصيل جزءا من قيمة الخدمة نفسها.

ولا يتعلق الأمر فقط بالتكنولوجيا. جزء من جاذبية التطبيقات يرتبط بطريقة تعاملها مع مفهوم السعر. فالمستخدم يدخل إلى الرحلة وهو يملك على الأقل مؤشرا واضحا على التكلفة، بينما ظلت شكاوى بعض زبناء سيارات الأجرة ترتبط برفض بعض السائقين تشغيل العداد أو رفض الرحلات القصيرة أو اختيار مسارات لا يرغب فيها الراكب. وقد سجلت تغطيات صحفية مغربية متكررة شكاوى من هذا النوع، مقابل إشادة مستخدمي التطبيقات بوضوح الأسعار وتتبع الرحلة.

واللافت أن التكنولوجيا لم تعد تستقطب الزبون فقط، وإنما بدأت تستقطب جزءا من مهنيي سيارات الأجرة أنفسهم. فقد رصدت تقارير صحفية مغربية خلال السنوات الأخيرة لجوء بعض سائقي سيارات الأجرة إلى التطبيقات، بل إن سيارات أجرة أصبحت في بعض المدن تستجيب لطلبات عبر منصات رقمية، في محاولة للاستفادة من الطلب الجديد بدل الاكتفاء بنموذج البحث التقليدي عن الركاب.

وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الصراع دلالة: بعض السائقين الذين كانوا ينظرون إلى التطبيقات باعتبارها تهديدا مباشرا لمصدر رزقهم بدأوا يستخدمون التكنولوجيا نفسها للوصول إلى الزبون. فالمشكلة، بالنسبة إلى هؤلاء، لم تعد في التطبيق باعتباره أداة، وإنما في النموذج القانوني والاقتصادي الذي يسمح لسيارات خاصة بمنافسة سيارات الأجرة التي تخضع لمنظومة من الرخص والالتزامات والقيود.

لكن نجاح التطبيقات في جذب المستخدمين لا يمكن تفسيره بالتكنولوجيا وحدها. فالمشكلة أعمق وترتبط أيضا بصورة قطاع سيارات الأجرة لدى جزء من المواطنين. وتحدثت تقارير مغربية عن سيارات أجرة متقادمة، ورفض بعض السائقين نقل الزبائن لمسافات قصيرة، وممارسات اعتبرها مواطنون غير ملائمة للخدمة العمومية. وفي المقابل، يؤكد مهنيون أن صورة القطاع ليست بهذا السوء، ويستندون إلى معطيات تفيد بأن أكثر من 89 في المائة من أسطول سيارات الأجرة تم تجديده، معتبرين أن الانتقادات لا ينبغي أن تعمم على جميع السائقين.

المشكلة إذن ليست أن سيارة الأجرة التقليدية فقدت قدرتها على المنافسة بالكامل، وإنما أن جزءا من المستهلكين أصبح يقارنها بمعايير جديدة. السيارة النظيفة، الوصول في الوقت المحدد، معرفة هوية السائق، إمكانية تقييم الخدمة، وضوح السعر وسهولة تقديم الشكاية، كلها عناصر أصبحت جزءا من توقعات الراكب الحديث. وعندما تتغير توقعات الزبون، لا يعود كافيا الدفاع عن النموذج القديم باعتباره النموذج القانوني الوحيد.

الأرقام الصادرة عن Sunergia تعكس هذا التحول بوضوح، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن التطبيقات لا تزال بعيدة عن السيطرة على سوق النقل. فـ18 في المائة فقط من المغاربة سبق لهم استخدام هذه الخدمات، بينما لم يستخدمها 82 في المائة. ومن بين غير المستخدمين، قال 40 في المائة إنهم لا يعرفون هذه التطبيقات أصلا، و26 في المائة إنهم لا يحتاجون إليها، بينما أشار 16 في المائة إلى غياب التغطية في مناطقهم، و15 في المائة إلى امتلاكهم وسيلة نقل خاصة.

وهذا يعني أن “ثورة التطبيقات” ما تزال، حتى الآن، ظاهرة حضرية أكثر منها تحولا وطنيا شاملا. انتشارها يرتبط بالمدن الكبرى وبالشباب وبالأشخاص الأكثر احتكاكا بالخدمات الرقمية. وبينما ترتفع جاذبيتها لدى الفئة العمرية بين 18 و34 سنة، يظل استعمالها أقل لدى الفئات الأكبر سنا والمناطق التي لا تتوفر فيها التغطية الكافية.

كما أن سوق التطبيقات نفسه يبدو أكثر تركّزا مما قد يوحي به تعدد الأسماء. فبين مستخدمي هذه الخدمات، يستحوذ “إندرايف” على 96 في المائة من الاستخدام المصرح به في الاستطلاع، مقابل 4 في المائة لـ”يانغو” و2 في المائة لـ”كريم”. أما الاستخدام المنتظم فما يزال محدودا؛ إذ لا يستخدم هذه الخدمات يوميا سوى 7 في المائة، بينما يستخدمها 13 في المائة عدة مرات في الأسبوع، و69 في المائة بصورة أقل انتظاما.

وفي المقابل، حصلت خدمات النقل عبر التطبيقات على تقييمات مرتفعة من مستخدميها. فقد اعتبر 97 في المائة منهم جودة خدمة VTC جيدة، فيما قال 95 في المائة إنهم يشعرون بالأمان أثناء استخدامها. هذه الأرقام لا تثبت أن التطبيقات أكثر أمانا موضوعيا من سيارات الأجرة، لكنها تكشف شيئا أكثر أهمية بالنسبة إلى السوق: المستخدم يشعر بأن التجربة أكثر ملاءمة ووضوحا.

وهنا بالتحديد تتشكل نقطة ضعف سيارات الأجرة التقليدية. فالزبون لا يقارن فقط السعر، بل يقارن “التجربة”. وفي اقتصاد الخدمات، يمكن لتجربة سيئة واحدة أن تدفع المستهلك إلى البحث عن بديل، خصوصا عندما يكون البديل متاحا بضغطة واحدة على الهاتف.

لكن التطبيقات نفسها ليست خارج دائرة الانتقادات. فغياب إطار قانوني واضح ظل أحد أكبر العوائق أمام تحولها إلى مكون رسمي من منظومة النقل. وزارة النقل واللوجستيك أوضحت في أكتوبر 2025 أن النصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها في مجال النقل الطرقي للأشخاص لا تتضمن مقتضيات تؤطر بشكل واضح خدمات النقل عبر التطبيقات، مشيرة إلى أن النقل الحضري يدخل ضمن اختصاص وزارة الداخلية.

هذا الفراغ التنظيمي هو الذي يمنح الصراع طابعه الحاد. فمهني سيارات الأجرة يرى نفسه ملتزما بشروط ورخص وتأمينات وواجبات لا يخضع لها، بالصيغة نفسها، السائق الذي يستقبل طلبا عبر تطبيق. ومن جهته، يرى مستخدم التطبيق أن من غير المنطقي منعه من اختيار وسيلة نقل يراها أفضل، خصوصا إذا كانت التجربة أكثر ملاءمة له.

وقد وصل الخلاف في بعض المدن إلى مواجهات وعمليات اعتراض للسيارات التي يشتبه في اشتغالها عبر التطبيقات، وهي ممارسات رفضتها وزارة الداخلية، مؤكدة أن ما يسمى “شرع اليد” تصرفات غير مشروعة وتعرّض مرتكبيها للمساءلة. وفي غشت 2026، عاد الجدل بقوة مع استمرار تسجيل مواجهات بين بعض سائقي سيارات الأجرة والعاملين عبر التطبيقات، ما أعاد مطلب الحسم القانوني إلى واجهة النقاش.

المثير أن الدولة نفسها بدأت تتعامل مع المسألة باعتبارها تحولا لا يمكن تجاهله. فقد أعلن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن وزارته تشتغل على إصلاح منظومة سيارات الأجرة ومواكبة التحديات المرتبطة بالنقل عبر الوسائط التكنولوجية، قبل أن تتجه الوزارة خلال 2026 إلى إطلاق دراسة استراتيجية لتقنين وتطوير النقل عبر التطبيقات.

وبذلك، لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت التطبيقات ستختفي لصالح سيارات الأجرة، وإنما كيف ستدخل هذه التكنولوجيا إلى المنظومة القانونية المغربية. فحتى داخل قطاع سيارات الأجرة ظهرت أصوات تدعو إلى استيعاب التكنولوجيا بدل مقاومتها، فيما اتجه بعض المهنيين إلى استخدام التطبيقات فعليا. كما أن أكثر من ألف سائق اشتغلوا عبر التطبيقات تقدموا، مطلع 2026، بطلبات إلى وزارة الداخلية من أجل تسوية وضعيتهم القانونية، في مؤشر على أن جزءا من العاملين في هذا القطاع لا يريد البقاء في المنطقة الرمادية.

وفي نهاية المطاف، فإن المستهلك المغربي هو الطرف الذي يحسم المنافسة كل يوم، ليس عبر البيانات أو الاحتجاجات أو التصريحات النقابية، وإنما عبر اختياره وسيلة النقل التي يرى أنها تلبي حاجته. وإذا كانت نتيجة الاستطلاع تقول إن 76 في المائة من مستخدمي التطبيقات يرونها أفضل من سيارات الأجرة الصغيرة، فإن الرسالة التي تحملها الأرقام لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بجودة الخدمة.

قد لا يكون المستقبل مغربا بلا سيارات أجرة، كما قد لا يكون مغربا تهيمن فيه التطبيقات بالكامل. السيناريو الأكثر واقعية هو ولادة نموذج هجين، تصبح فيه التكنولوجيا جزءا من قطاع النقل التقليدي نفسه، وتخضع فيه التطبيقات لقواعد واضحة، ويُمنح السائق المهني وضع قانوني واجتماعي يحميه، بينما يحصل المواطن على حق الاختيار بين خدمات تتنافس على الجودة والسعر والسلامة.

فالمنافسة التي بدأت في الشارع بين “الطاكسي” و”التطبيق” تبدو في جوهرها معركة أوسع: من سيعيد تعريف مفهوم الخدمة العمومية في مدينة مغربية تغيرت عادات سكانها، لكن منظومة نقلها لم تتغير بالسرعة نفسها؟