شريط الاخبار

مدن ترتفع… وحقوق تتهاوى: مفارقة البناء في المغرب بين ثروة العقار وهشاشة العمال

على امتداد شريط المدن الكبرى، من طنجة إلى الدار البيضاء الى القنيطرة، لا يحتاج الزائر إلى كثير من التدقيق ليلتقط ملامح التحول العمراني المتسارع. رافعات شاهقة، أوراش مفتوحة، وأحياء جديدة تنمو بوتيرة تكاد تسبق التخطيط أحياناً. مشهد يعكس دينامية اقتصادية قوية، لكنه يخفي في العمق تناقضاً صارخاً: قطاع يدرّ مليارات الدراهم ويقود النمو، مقابل يد عاملة تعيش على الهامش في شروط أقرب إلى الهشاشة المزمنة.

قطاع البناء والأشغال العمومية في المغرب ليس قطاعاً عادياً؛ فهو يساهم بحوالي 6 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ويُعد من أكبر مشغّلي اليد العاملة، إذ يستوعب نحو 10 في المائة من السكان النشطين . كما تشير المعطيات الظرفية إلى استمرار انتعاشه خلال سنة 2025، مدفوعاً بارتفاع الطلب على المشاريع السكنية والبنيات التحتية، مع تحسن في التشغيل واستقرار نسبي في نشاط تشييد المباني .

غير أن هذا الوجه المضيء يخفي واقعاً آخر داخل الأوراش، حيث تتجلى اختلالات عميقة على مستوى شروط العمل. فالأرقام تكشف أن قطاع البناء يتصدر قائمة القطاعات الأكثر خطورة، إذ سجل لوحده 25 في المائة من حوادث الشغل القاتلة خلال سنة 2023 ، في مؤشر واضح على هشاشة شروط السلامة المهنية داخل عدد من المشاريع.

ولا تقف المؤشرات عند حدود الحوادث. فعمليات تفتيش الشغل التي همّت أكثر من ألف ورش خلال النصف الأول من 2025، أفضت إلى تسجيل أزيد من 9000 ملاحظة، شملت خروقات تتعلق بالأجور، والسلامة المهنية، والتصريح بالعمال لدى الضمان الاجتماعي . هذه الأرقام لا تعكس فقط حالات معزولة، بل توحي بوجود اختلالات بنيوية في تدبير القطاع، خاصة في ما يتعلق باحترام التشريع الاجتماعي.

في الميدان، تتخذ هذه الأرقام وجهاً أكثر قسوة. عمال يشتغلون لساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو في ظروف مناخية صعبة، غالباً دون تجهيزات حماية كافية، وأحياناً دون عقود واضحة أو تغطية اجتماعية. الأجر، في كثير من الحالات، يبقى محدوداً ولا يعكس حجم المخاطر أو المجهود البدني المبذول.

المفارقة تتعمق أكثر حين يُقارن هذا الواقع بحجم الأرباح التي يحققها القطاع العقاري، خصوصاً في مدن مثل طنجة والدار البيضاء والقنيطرة، حيث تحوّل العقار إلى أحد أكثر مجالات الاستثمار ربحية. فالمشاريع الفاخرة والمجمعات السكنية الجديدة تدرّ عوائد كبيرة على المنعشين، في وقت يظل فيه العامل البسيط خارج دائرة هذه القيمة المضافة.

بل إن بعض المعطيات تشير إلى مفارقة إضافية: رغم هشاشة ظروف العمل، يعرف القطاع نقصاً في اليد العاملة المؤهلة، ما أدى إلى ارتفاع الأجور في بعض التخصصات بنسبة تصل إلى 25 في المائة . وهو ما يكشف خللاً مزدوجاً: من جهة، ضعف جاذبية المهنة بسبب قساوة ظروفها، ومن جهة أخرى، غياب سياسات فعالة لتأهيل الموارد البشرية وتحسين شروط العمل.

في طنجة، حيث يتقاطع الاستثمار العقاري مع الدينامية الصناعية والسياحية، تتكاثر المشاريع بوتيرة سريعة، لكن خلف واجهاتها الحديثة، يشتغل عمال في صمت، بعيداً عن أي حماية فعلية. وفي الدار البيضاء، التي تمثل القلب الاقتصادي للمملكة، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، حيث تتعايش الأبراج الفاخرة مع قصص يومية لعمال يشتغلون في ظروف غير مستقرة.

هذا التناقض يعيد طرح سؤال العدالة داخل النموذج التنموي: كيف يمكن لقطاع بهذا الوزن الاقتصادي أن يستمر في إنتاج الهشاشة الاجتماعية؟ ولماذا لا تُترجم الأرباح إلى تحسين فعلي في شروط العمل؟

جزء من الجواب يرتبط ببنية القطاع نفسه، حيث تلعب المناولة دوراً مركزياً، ما يؤدي إلى تداخل المسؤوليات وتفادي بعض الفاعلين الالتزامات القانونية. كما أن ضعف المراقبة الميدانية، رغم الجهود المعلنة، يترك هامشاً واسعاً لخرق القوانين، خصوصاً في المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بقطاع اقتصادي، بل بصورة مصغرة عن اختلال أعمق: اقتصاد ينمو بأرقام إيجابية، لكنه لا يوزع ثماره بشكل متوازن. وبين مدن ترتفع نحو الأعلى، وعمّال يشتغلون في الأسفل، يظل التحدي الحقيقي هو ردم هذه الفجوة، قبل أن تتحول إلى معطى بنيوي يصعب تجاوزه.

شارك المقال شارك غرد إرسال