شريط الاخبار

مؤرخ جزائري يفضح كيف صنع العسكر خرافة “المليون ونصف شهيد” لابتلاع الجزائر!

جرت العادة في الدول التي تحترم نفسها وتاريخها، أن تكون لحظة الاستقلال نقطة انطلاق لبناء المستشفيات والمدارس وتأسيس دولة المؤسسات. لكن في الجارة الشرقية، لم يكن الاستقلال سوى “أصل تجاري” سُجل في المحافظة العقارية باسم ثلة من الجنرالات، الذين وجدوا أنفسهم أمام شعب أعزل يطالب بحقه في ثروات بلاده. فماذا فعلوا؟ ببساطة، اخترعوا درعاً بشرياً من التاريخ.

سردية “المليون ونصف المليون شهيد” لم تنزل من السماء، ولم تخرج من مختبرات البحث التاريخي الرصين. إنها، وبكل بساطة، وصفة سحرية طُبخت في غرف صناعة القرار المظلمة. رقم ضخم، مرعب، وصادم، صُمم خصيصاً لإسكات أي صوت يجرؤ على السؤال: “أين تذهب أموال الغاز والبترول؟”. الجواب جاهز دائماً لتكميم الأفواه: “اسكت، لقد ضحينا بمليون ونصف مليون شهيد”.

في قلب هذا الجدل، يبرز اسم المؤرخ الجزائري الفذ محمد حربي، الذي لم يبع قلمه في سوق الخردوات السياسية. هذا الرجل قلب أرشيف الثورة رأساً على عقب، وبحث في البنية الديموغرافية للجزائر آنذاك، ليصل إلى نتيجة أزعجت جنرالات “الريع”. حربي يقول، بالدليل والأرشيف، إن الحصيلة البشرية للحرب تدور في فلك 300 ألف ضحية. وهو رقم، رغم قسوته ومأساويته، يظل بعيداً كل البعد عن المليون ونصف المليون الذي تحول إلى “سجل تجاري” يتيح للعسكر احتكار السلطة والمال والهيمنة على رقاب العباد.

القضية إذن ليست نقاشاً أكاديمياً هادئاً بين مؤرخين يرتشفون القهوة. إنها معركة وجود بالنسبة لطغمة عسكرية تدرك جيداً أن تجريدها من ورقة “الشرعية الثورية” وتفكيك تضخيم الذاكرة المأساوية، يعني تعريتها أمام الشعب. تضخيم الأرقام لم يكن يوماً مجرد خطأ في الحساب أو مبالغة عاطفية؛ بل كان هندسة سياسية دقيقة، وعملية “سطو مسلح” على التاريخ لتبرير استمرار الديكتاتورية ومنطق الحكم الدائم.

من يملك الرواية يملك السلطة، ومن يملك السلطة يملك مفاتيح خزائن النفط.

هكذا فكر الجنرالات. لقد حولوا حرب التحرير المعقدة إلى معادلة سلطوية في غاية البساطة والوقاحة: نحن ورثة الشهداء، إذن نحن من يحق لنا توزيع الثروة (على أنفسنا وحاشيتنا طبعاً)، وتوزيع الفقر والقمع على باقي الشعب. لقد أسقطوا السياسة على التاريخ بأثر رجعي، ليصنعوا صندوقاً أسود يُمنع الاقتراب منه أو التشكيك في محتواه.

اليوم، تتكشف اللعبة بوضوح. السردية التي جرى تثبيتها بالحديد والنار والبروباغندا، بدأت تتآكل. لأن التاريخ، مهما طال الزمن، لا يمكن أن يظل رهينة في ثكنة عسكرية. السؤال الحقيقي اليوم لم يعد حول الأرقام التي يتداولها الأكاديميون، بل حول الحاضر والمستقبل: متى يخرج الأحياء من سجن الأرقام الميتة، ليستعيدوا وطناً سرقه جنرالات يتقنون تجارة الوهم أكثر من أي شيء آخر؟

اللي اختشوا ماتوا… واللي بقاو، راهم يحكموا بالدبابة وسردية المليون ونصف المليون!

شارك المقال شارك غرد إرسال