شريط الاخبار

لماذا أصبح المغرب شريكًا أساسيًا في تأمين مونديال 2026؟

عبد الحق الدرمامي

لم يعد الحديث عن كأس العالم 2026 يقتصر على التكاليف أو العوائد الاقتصادية أو حتى البُعد الرمزي للحدث. فمع اقتراب موعد البطولة التي ستُنظم بشكل مشترك بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، يتقدّم ملف واحد ليصبح الأكثر حسماً: الأمن. ليس فقط أمن الملاعب، بل أمن منظومة كاملة تشمل الحدود، والمعلومات الاستخباراتية، والفضاء الرقمي، وحركة الجماهير، والتنسيق الدولي.

في هذا السياق، تبدو كندا، باعتبارها إحدى الدول المستضيفة، وكأنها انتقلت من منطق “تنظيم حدث رياضي” إلى منطق “إدارة عملية أمنية معقدة”. فقد وضعت الحكومة الفدرالية إجراءات واضحة منذ الآن، من بينها التأكيد على عدم وجود تأشيرة خاصة بالمونديال، وأن حيازة التذكرة لا تضمن دخول البلاد. وهي رسائل تحمل بعداً تنظيمياً، لكنها في جوهرها قرارات أمنية تهدف إلى تفادي الفوضى والضغط على أنظمة الهجرة عند انطلاق البطولة.

على مستوى المدن، تعكس خطط تورونتو وفانكوفر حجم التحدي. ميزانيات ضخمة، وقوانين مؤقتة لتنظيم الفضاء العام، وتدريب مكثف على إدارة الأزمات. لكن الأهم من ذلك هو إدراك متزايد بأن تأمين حدث بهذا الحجم لا يمكن أن يتم بشكل منفرد. فالمونديال المقبل ليس بطولة تقام داخل حدود دولة واحدة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة ثلاث دول على التنسيق عبر الحدود، وتبادل المعلومات، وضمان انسجام أنظمتها الأمنية.

هنا تحديداً يبرز اسم المغرب.

خلال السنوات الأخيرة، رسّخ المغرب موقعه كفاعل موثوق في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب على المستوى الدولي. ولم يعد هذا التقدير حكراً على تقارير غير معلنة أو تعاونات تقنية، بل أصبح يُعبَّر عنه بشكل صريح في تصريحات رسمية. قبل أولمبياد باريس 2024، أقرّ وزير الداخلية الفرنسي حينها بأهمية الدور الذي تلعبه الأجهزة المغربية، مؤكداً أن فرنسا ستكون أكثر عرضة للتهديدات بدون هذا التعاون. أهمية هذا التصريح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته: جاء قبل الحدث، في لحظة يكون فيها التخطيط أكثر حساسية من التنفيذ.

المنطق نفسه يتكرر اليوم في السياق الأمريكي. فقد كشفت معطيات حديثة عن زيارة قام بها مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى المغرب للاطلاع على ترتيبات أمن كأس إفريقيا، في إطار شراكة أوسع بين البلدين. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تم الإعلان عن اختيار المغرب للمشاركة في فريق عمل تابع للبيت الأبيض مخصص لتعزيز أمن مونديال 2026. وهي خطوة تعكس تحولاً واضحاً: من تعاون ثنائي تقليدي إلى إدماج المغرب ضمن منظومة التخطيط الأمني لحدث عالمي.

هذا التطور لا يأتي من فراغ. فقد سبق للمغرب أن ساهم في تأمين أحداث كبرى، من بينها كأس العالم 2022 في قطر، حيث تم توقيع اتفاقيات لتبادل المعلومات، إلى جانب تقارير أشارت إلى مساهمات في مجالات الاستخبارات والأمن السيبراني. النمط هنا واضح: الدول التي تستعد لتنظيم تظاهرات كبرى تبحث مبكراً عن شركاء يمتلكون خبرة عملية، وتعمل على إدماجهم قبل بلوغ مرحلة الضغط القصوى.

بالنسبة لكندا وشركائها في التنظيم، يحمل هذا الدرس أهمية خاصة. فنجاح مونديال 2026 لن يُقاس فقط بمدى سلاسة المباريات أو امتلاء المدرجات، بل بقدرة الدول المستضيفة على بناء منظومة أمنية متكاملة، مرنة، وقادرة على الصمود أمام التهديدات التقليدية والرقمية على حد سواء.

في هذا الإطار، يبرز المغرب كأحد النماذج التي تُجسّد ما تبحث عنه الدول المنظمة: خبرة ميدانية، قدرة على التنسيق الدولي، وكفاءة في العمل الاستخباراتي الاستباقي. وهي عناصر تجعل منه شريكاً يتجاوز البعد الإقليمي ليصبح جزءاً من شبكة أمنية عالمية تتشكل تدريجياً حول الأحداث الكبرى.

ومع استمرار العدّ التنازلي نحو 2026، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد فقط في ما ستقدمه الدول المستضيفة داخل ملاعبها، بل في قدرتها على بناء تحالفات ذكية خارجها. وفي هذا الرهان، سيكون للمغرب، بصمته الهادئة ولكن المؤثرة.

شارك المقال شارك غرد إرسال