في المغرب، هناك مهنة وحيدة تشبه “العمل التطوعي” أكثر مما تشبه وظيفة حقيقية. مهنة يطلب منك فيها أن تكون شجاعاً، نظيف اليد، حاضر الذهن، سريعاً في الميدان، دقيقاً في المعلومة، أن تتحمل السبّ والمتابعات والضغط والتهديد، ثم في آخر الشهر — إذا جاء آخر الشهر أصلاً — تنتظر أجرتك كما ينتظر المغاربة رؤية هلال العيد.
قبل أيام من عيد الأضحى، تحركت الدولة والإدارات والشركات والمصانع والمقاولات الصغيرة والكبيرة بمنطق اجتماعي مفهوم: “خلّي الناس تعيّد”. تم صرف الأجور مبكراً. بعضهم توصل براتبه قبل أسبوع تقريباً من العيد. حتى العامل البسيط في معمل للكابلاج عرف أن راتبه سيأتي قبل “الكساب”. حتى المستخدم في شركة خاصة شعر أن المؤسسة التي يشتغل فيها تتذكر أنه إنسان وله بيت وأطفال وعيد ينتظره.
إلا الصحافي المغربي.
هذا الكائن الغريب الذي يبدو أن الجميع اتفق على معاملته كأنه يعيش بالهواء أو يقتات من البلاغات الرسمية.
الصحافي وحده ظل يراقب حسابه البنكي كما يراقب المغاربة نشرات الطقس في سنوات الجفاف. يدخل إلى التطبيق عشر مرات في اليوم، فلا يجد سوى الصفر أو ذلك الرقم الهزيل الذي يذكّره بأنه يشتغل في قطاع لا أحد يعرف هل هو مهنة أم عقوبة حبسية طويلة الأمد.
والأكثر سخرية أن جزءاً مهماً من المؤسسات الإعلامية لم تتوصل أصلاً بالدعم الجزافي الذي تتحدث عنه الوزارة كل سنة في البلاغات والندوات والكاميرات. والمؤسسات التي كانت تنتظر دفعات الدعم لتسديد الأجور وجدت نفسها بدورها في وضعية اختناق. وهكذا أصبح الصحافي ضحية مؤسسة مفلسة، وضحية دعم متأخر، وضحية وزارة تعتبر الحديث عن “حرية الصحافة” أسهل بكثير من ضمان الحد الأدنى من كرامة الصحافيين.
في كل دول العالم، حين يقال “صحافي”، يتبادر إلى الذهن شخص لديه وضع اعتباري محترم. شخص يحظى بالحماية والامتيازات والتقدير لأنه يقوم بدور حساس في المجتمع. أما عندنا، فالصحافي صار أقرب إلى عامل موسمي. لا يعرف متى تأتي الأجرة، ولا إن كانت ستأتي كاملة أصلاً، ولا لماذا تُقتطع، ولا كيف يعيش إلى نهاية الشهر.
الصحافي المغربي اليوم يكتب عن غلاء المعيشة وهو غير قادر على مواجهة غلاء معيشته. ينجز روبورتاجات عن القدرة الشرائية وهو بالكاد يملك قدرة “التحمل”. يحلل الأزمات الاقتصادية للدولة بينما أزمته الشخصية مع “الكريدي” والبقال وصاحب الكراء أكبر من كل تحليلاته السياسية.
ثم يخرج علينا بعض المسؤولين ليتحدثوا عن “الإعلام كشريك في التنمية”.
أي شراكة هذه التي تجعل الصحافي عاجزاً حتى عن شراء أضحية العيد؟
أي قيمة للإعلام إذا كان الصحافي نفسه يعيش في هشاشة أشد من هشاشة القطاعات التي يكتب عنها؟
الصحافي المغربي اليوم مطلوب منه أن يحارب الفساد، لكنه مطالب أيضاً بأن يفعل ذلك بمعدة فارغة. مطلوب منه أن يكون مستقلاً، بينما هو مهدد في أبسط حقوقه الاجتماعية. مطلوب منه أن يدافع عن الوطن والديمقراطية والمؤسسات، بينما المؤسسة الوحيدة التي لا تدافع عنه هي مؤسسته.
في المغرب، يمكن أن تجد كل شيء قبل العيد: دعم استثنائي، صرف مبكر للأجور، تسهيلات، قروض، عروض للأضاحي بالتقسيط… إلا الصحافي. هذا الأخير عليه دائماً أن يلعب دور المواطن الذي “يفهم الظروف”.
يتفهم تأخر الدعم.
يتفهم الأزمة.
يتفهم ضعف الإشهار.
يتفهم مشاكل المقاولة.
يفهم كل شيء… إلا لماذا أصبح هو الحلقة الأضعف دائماً.
المفارقة المؤلمة أن كثيراً من الصحافيين الذين أمضوا الأيام الأخيرة يكتبون عن فرحة العيد وأسعار الأكباش وأجواء الأسواق، كانوا في الواقع يفكرون فقط في سؤال صغير وقاسٍ: “كيف سندخل العيد؟”
وهنا تصبح المأساة أكبر من مجرد تأخر أجرة.
تصبح إهانة جماعية لمهنة كاملة.
■ أكتب هذا المقال تضامناً مع مئات الزملاء المحرومين من أجرتهم والذين سيقضون العيد في صمت
