لم يعد سؤال تكلفة العطلة في المغرب مجرد نقاش عابر بين الأسر مع بداية الصيف. فمع ارتفاع الطلب على الوجهات الساحلية، يجد عدد من المغاربة أنفسهم أمام معادلة تبدو للوهلة الأولى paradoxical: أسبوع في مدينة سياحية داخل المملكة قد يتطلب ميزانية تقترب من عروض سفر إلى الخارج، بينما تعرض وكالات الأسفار رحلات منظمة إلى إسبانيا أو تركيا بأسعار تبدو أكثر إغراء.
لكن هل يعني ذلك فعلاً أن المغرب أصبح أغلى من الخارج؟
الأرقام المتاحة لا تسمح بإطلاق هذا الحكم على العطلات كلها، لكنها تكشف شيئاً آخر أكثر أهمية: الفارق بين العطلة داخل المغرب وخارجه لا تحدده المسافة، بل تركيبة الفاتورة.
فأسرة تختار فندقاً مرتفع السعر في مدينة ساحلية خلال ذروة الموسم، وتضيف إليه المطاعم والتنقل والترفيه، قد تنتهي إلى إنفاق مبلغ كبير جداً. وفي المقابل، قد تعرض وكالة سفر أجنبية باقة تشمل النقل والإقامة والفطور والعبور وبعض الزيارات بسعر ثابت، ما يجعل التكلفة النهائية أكثر وضوحاً.
ميزانية الأسرة أصلاً محدودة
لفهم حساسية المغاربة تجاه أسعار العطلات، تكفي العودة إلى أرقام المندوبية السامية للتخطيط.
فمتوسط الإنفاق السنوي للأسرة المغربية بلغ 76,317 درهماً وفق نتائج البحث الوطني حول مستوى معيشة الأسر 2022-2023. وبين مختلف أبواب الاستهلاك، لم يتجاوز متوسط الإنفاق السنوي للأسرة على الترفيه 1,442 درهماً.
وتظهر التفاصيل أن الإنفاق الفردي السنوي على بند «العطل ونهاية الأسبوع» بلغ نحو 299 درهماً.
هذه الأرقام لا تمثل بالضرورة ما تنفقه الأسرة في عطلة صيفية واحدة، لكنها تكشف حجم الفجوة بين ميزانية الترفيه المعتادة وبين تكلفة أسبوع سياحي مدفوع بالكامل.
بمعنى آخر، بالنسبة إلى أسرة ذات دخل متوسط، لا تُعامل العطلة باعتبارها مصروفاً يومياً عادياً، وإنما باعتبارها نفقة استثنائية تحتاج إلى ادخار مسبق.
الفندق قد يغيّر المعادلة
في المدن السياحية، يبقى السكن أحد أكبر بنود الفاتورة.
وتُظهر بيانات الأسعار المتاحة حالياً عبر منصات الحجز أن متوسط سعر الفنادق الموجهة للعائلات في أكادير يبلغ نحو 52 دولاراً لليلة، مع ارتفاع كبير في فترات نهاية الأسبوع.
وعند احتساب سبع ليالٍ وفق المتوسط المنشور، نصل إلى ما يقارب 364 دولاراً للإقامة وحدها، أي ما يزيد على 3,000 درهم تقريباً، قبل احتساب الطعام والتنقل والأنشطة وأي خدمات إضافية.
لكن هذا الرقم لا ينبغي التعامل معه باعتباره «سعر عطلة في أكادير»، لأن الأسعار تتغير باختلاف الفندق والتاريخ وعدد الأشخاص ونوع الغرفة وما إذا كان السعر يشمل الوجبات أم لا.
وهنا تكمن إحدى مشكلات المقارنة التي يقع فيها المستهلك: مقارنة سعر غرفة فندقية داخل المغرب بسعر باقة خارجية تشمل الطائرة والفندق والنقل، ثم الاستنتاج بأن الخارج أرخص.
المقارنة الصحيحة يجب أن تكون بين عطلتين متكاملتين.
حين تدخل إسبانيا إلى الحساب
المفاجأة تظهر عند النظر إلى بعض العروض المنظمة الموجهة للمغاربة.
فإحدى وكالات الأسفار تعرض خلال صيف 2026 رحلة إلى إسبانيا والبرتغال لمدة سبعة أيام، ابتداء من 6,990 درهماً للشخص، وتشمل الإقامة في فنادق أربع نجوم مع الفطور، والعبور البحري، والنقل السياحي، والزيارات المصحوبة بمرشد.
وهناك عروض أخرى إلى الأندلس خلال غشت تصل إلى 8,900 درهم للشخص بالنسبة إلى فئة معينة من المجموعات، مع تحديد سعر خاص للأطفال، بينما تبقى بعض المصاريف خارج السعر المعلن.
هذه الأسعار لا تعني أن السفر إلى إسبانيا أرخص من الاصطياف في المغرب لكل أسرة. لكنها تكشف لماذا تبدو بعض العروض الخارجية منافسة جداً.
فالأسرة لا ترى أمامها «تذكرة سفر» فقط، بل ترى منتجاً سياحياً متكاملاً بسعر معلن.
تركيا تقدم معادلة مختلفة
تركيا بدورها تكشف جانباً آخر من القصة.
فأسعار رحلات الدار البيضاء إلى إسطنبول التي كانت منشورة لدى الخطوط الملكية المغربية في غشت 2026 بدأت في بعض التواريخ من حوالي 2,649 درهماً ذهاباً وإياباً للشخص.
لكن ثمن التذكرة لا يمثل تكلفة العطلة. بعد الوصول، تبدأ فاتورة الفندق والطعام والتنقل والزيارات.
وتعرض وكالات أسفار مغربية رحلات منظمة إلى إسطنبول ابتداء من حوالي 9,200 درهم للشخص لمدة ثمانية أيام وسبع ليالٍ، بينما تصل بعض عروض أنطاليا الشاملة إلى أكثر من 15 ألف درهم للشخص.
وهنا تتضح الصورة: الخارج ليس «رخيصاً» بالضرورة، وإنما توجد عروض مختلفة تستفيد من اقتصاد الباقات السياحية وحجم الحجوزات والتنظيم المسبق.
أين تختفي ميزانية الأسرة في المغرب؟
عندما تختار الأسرة الاصطياف داخل المملكة، فإنها غالباً لا تشتري «باقة» واحدة.
تدفع ثمن الوقود أو النقل، ثم الفندق أو الشقة، ثم المطاعم، ثم الشاطئ والأنشطة، ثم التنقل داخل المدينة، وقد تضيف مصاريف أخرى مرتبطة بالأطفال والتسوق والترفيه.
كل بند يبدو منفرداً ومحدوداً، لكن مجموعها قد يتحول إلى فاتورة ثقيلة.
وهذه هي النقطة التي لا تظهر عند مقارنة سعر غرفة فندقية بسعر رحلة منظمة.
في المقابل، تستطيع الأسرة التي تحجز عرضاً منظماً إلى الخارج أن تعرف مسبقاً جزءاً كبيراً من التكلفة: الطائرة أو الباخرة، الفندق، الفطور أو بعض الوجبات، النقل، وأحياناً مجموعة من الزيارات.
لكن ذلك لا يعني أن العرض الخارجي يخلو من المصاريف الخفية؛ فبعض العروض تستثني التأشيرة، التأمين، الوجبات غير المشمولة، الإكراميات، والأنشطة الاختيارية.
السياحة المغربية تنمو.. والسؤال هو: هل يستفيد منها المغربي؟
المفارقة أن ارتفاع تكلفة الاصطياف لا يأتي في وقت يتراجع فيه القطاع السياحي المغربي.
على العكس، أظهرت مؤشرات مرصد السياحة أن النشاط السياحي واصل نموه خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مع ارتفاع عدد الوافدين عبر الحدود بنسبة 6%، والليالي المسجلة في مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة بنسبة 9%، بينما ارتفعت عائدات السفر بالعملة الصعبة بنسبة 16%.
كما أن القطاع أصبح يشغل نحو 894 ألف شخص بشكل مباشر في 2025، وفق المعطيات المنشورة من مرصد السياحة.
المغرب، إذن، يعيش مرحلة توسع سياحي واضحة. لكن نجاح القطاع على مستوى أعداد السياح والمداخيل لا يعني تلقائياً أن كل أسرة مغربية تستطيع تحمل أسعار المنتج السياحي نفسه.
وهنا يبرز تحدٍ آخر: كيف يمكن تطوير السياحة الداخلية من دون أن تتحول العطلة الصيفية إلى رفاهية يصعب على الأسر متوسطة الدخل تحملها؟
ليست كل المدن سواء
من الخطأ أيضاً الحديث عن «المغرب» كأنه وجهة واحدة.
فالسفر إلى مدينة قريبة بالسيارة والإقامة في شقة عائلية لا يشبه أسبوعاً في منتجع فاخر شامل الخدمات.
كما أن أكادير ليست السعيدية، والحسيمة ليست طنجة، وإقامة عائلة لدى أقاربها ليست مثل حجز غرفة في فندق أربع أو خمس نجوم.
حتى داخل المدينة نفسها، يمكن أن تتضاعف التكلفة حسب تاريخ الحجز ومستوى الفندق وموقعه.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل المغرب غالٍ؟»
بل: أي مغرب؟ وأي فندق؟ وأي أسبوع؟ وكم عدد أفراد الأسرة؟ وماذا يشمل السعر؟
الحكم بالأرقام
المعطيات التي جرى تجميعها لا تثبت أن الاصطياف داخل المغرب أصبح أغلى من السفر إلى الخارج كقاعدة عامة.
لكنها تثبت وجود ظاهرة تستحق النقاش: بعض العروض الخارجية المنظمة أصبحت تنافس بقوة تكلفة العطلة الداخلية عندما تكون المقارنة بين منتج سياحي متكامل ومنتج داخلي تدفع الأسرة تكلفته بنداً بنداً.
وفي المقابل، يبقى الاصطياف داخل المغرب قادراً على أن يكون أرخص بكثير عندما تختار الأسرة الإقامة الاقتصادية، أو الشقق، أو السفر بالسيارة لمسافة قصيرة، أو تفادي المدن الأكثر طلباً في ذروة الموسم.
أما الأسرة التي تبحث عن فندق مريح، وموقع قريب من البحر، ووجبات يومية، وأنشطة للأطفال، وتنقلات، فقد تجد نفسها أمام فاتورة تجعل السفر إلى الخارج خياراً يستحق الحساب، لا مجرد حلم مكلف.
وفي النهاية، لا تكمن المشكلة بالضرورة في أن «المغرب أغلى من الخارج»، بل في أن سعر العطلة المغربية لا يظهر دائماً في رقم واحد.
وهذا ربما هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه المستهلك قبل أن يحجز: كم ستكلفني العطلة فعلاً من الباب إلى الباب، وليس كم يبلغ سعر الغرفة أو التذكرة فقط؟

