حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

أبو سارة

في منطقة تحافظ على الكثير من خصوصيتها وتقاليدها، بدأت قرية آيت طالب إبراهيم تفرض نفسها تدريجياً كواحدة من الوجهات التي تستقطب الأنظار خلال موسم «ألموكار»، الذي لم يعد مجرد احتفال سنوي محدود الحضور، بل تحول إلى موعد تتقاطع فيه مظاهر الاحتفال مع صلة الرحم والتواصل والعمل الجمعوي.

وخلال السنوات الأخيرة، تمكن «ألموكار آيت طالب إبراهيم» من بناء حضور متزايد على مستوى المنطقة، مستفيداً من انخراط أبناء القرية والقبائل المجاورة، فضلاً عن حضور عدد من المسؤولين والمنتخبين والفاعلين من مناطق مختلفة. وهو ما منح التظاهرة إشعاعاً خاصاً، وجعلها مناسبة ينتظرها عدد من أبناء المنطقة للعودة إلى القرية وتجديد الروابط العائلية والاجتماعية.

ولا تكمن أهمية المهرجان في عدد الحاضرين فقط، وإنما في الصورة التي أصبح يقدمها عن آيت طالب إبراهيم؛ قرية تراهن على أبنائها، وتستثمر في روح التضامن، وتحاول تحويل المناسبات المحلية إلى فضاءات للتواصل والتعريف بالمنطقة وإبراز مؤهلاتها الثقافية.

 

من «الموكار» إلى موعد ينتظره أبناء المنطقة

تحتفظ المواسم في مناطق مختلفة من المغرب بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية، باعتبارها فضاءات للقاء وتبادل الزيارات وإحياء العادات المحلية. غير أن تجربة آيت طالب إبراهيم أضافت إلى هذا الموعد بعداً آخر، يتمثل في التعبئة الجماعية والتنظيم والعمل الجمعوي.

فخلال أيام «ألموكار»، تتحول القرية إلى فضاء للحركة واللقاء، مع عودة أبناء المنطقة المقيمين في مدن أخرى، وحضور ضيوف من قبائل ومناطق مختلفة، في مشهد يعيد إلى الواجهة قيمة العلاقات الاجتماعية التي تظل حاضرة رغم تغير أنماط الحياة وتباعد المسافات.

وتمنح هذه الدينامية المناسبة طابعاً يتجاوز الاحتفال، إذ يصبح الموكار فرصة للقاء أجيال مختلفة، ولتعريف الشباب بتراث منطقتهم، وإبقاء العادات المحلية حاضرة في الحياة اليومية، بدل أن تظل مجرد ذكريات مرتبطة بالماضي.

 

قرية تراهن على الوحدة والتعاون

ما يميز تجربة آيت طالب إبراهيم هو أن نجاح الموكار يرتبط بدرجة كبيرة بروح المشاركة التي يساهم بها أبناء القرية.

رجال ونساء وشباب، كل من موقعه، يساهم في إنجاح الموعد السنوي، وهو ما يعكس ثقافة «تيويزي» باعتبارها إحدى صور التضامن والعمل الجماعي المتجذرة في المجتمع المغربي.

هذه الروح لا تظهر فقط خلال أيام المهرجان، بل تمتد إلى مبادرات أخرى مرتبطة بالقرية، وهو ما جعل العمل الجمعوي يحتل موقعاً مهماً في مسار التنمية المحلية.

وتبرز جمعية آيت طالب إبراهيم للتنمية والتعاون باعتبارها الجهة التي اشتغلت على مجموعة من المبادرات والمشاريع ذات الطابع التنموي والثقافي، في محاولة لربط العمل الجمعوي بحاجيات السكان والحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية القرية وهويتها.

 

مشاريع تنموية وثقافية تعزز صورة القرية

إلى جانب تنظيم «ألموكار»، ساهمت جمعية آيت طالب إبراهيم للتنمية والتعاون في إنجاز عدد من المشاريع والمبادرات التي تستهدف دعم التنمية المحلية وتعزيز الجانب الثقافي بالقرية، مثل المياه والانارة وتعبيد الطرق.

وتعكس هذه المشاريع توجهاً نحو جعل العمل الجمعوي أكثر ارتباطاً بالمجال، من خلال الانتقال من تنظيم الأنشطة والمناسبات إلى المساهمة في مبادرات يمكن أن تترك أثراً مستمراً لدى الساكنة.

وتشكل الثقافة بدورها جزءاً من هذا المسار، خصوصاً أن الحفاظ على العادات والتقاليد والذاكرة المحلية بات تحدياً أمام التحولات الاجتماعية المتسارعة.

ومن هذه الزاوية، يكتسب «ألموكار ايت طالب ابراهيم» أهمية إضافية، باعتباره فضاءً حياً يمكن من خلاله نقل جزء من هذا الموروث إلى الأجيال الجديدة، وإعادة تقديمه بطريقة تجعل أبناء المنطقة أكثر ارتباطاً بمحيطهم وهويتهم المحلية.

 

حضور يتجاوز حدود القرية

اللافت في الدورات الأخيرة هو اتساع دائرة المشاركين والضيوف، حيث أصبح الموكار يستقطب حضوراً من قبائل ومناطق متعددة، إلى جانب مسؤولين وفاعلين محليين، وهو ما ساهم في توسيع دائرة التعريف بآيت طالب إبراهيم.

ولا يتعلق الأمر فقط باستضافة أشخاص من خارج القرية، بل بتحويل المناسبة إلى نافذة للتعريف بالمجال وبأبنائه وبالمبادرات التي يتم إنجازها داخله.

وفي ظل الاهتمام المتزايد بالمهرجانات والمواسم ذات الطابع المحلي، يمكن لمثل هذه التظاهرات أن تلعب دوراً في التعريف بالمناطق القروية وإبراز ما تزخر به من رصيد ثقافي واجتماعي، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بمبادرات تنموية حقيقية.

 

دعم مؤسساتي ومشاركة محلية

ساهم انخراط عدد من المؤسسات والفاعلين المحليين في توفير ظروف أفضل لإنجاح الدورة الأخيرة من «ألموكار».

وفي هذا الصدد، نوهت جمعية آيت طالب إبراهيم للتنمية والتعاون بالدعم والمساندة التي قدمتها جماعة آيت وفقا، كما أشادت بمساهمة المجلس العلمي، ممثلاً في الأستاذ عبد الله إدراز.

وتكشف هذه المشاركة عن أهمية التنسيق بين المجتمع المدني والمؤسسات المحلية في إنجاح المبادرات التي تستقطب اهتمام الساكنة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمناسبات تجمع بين البعد الثقافي والاجتماعي والتنمية المحلية.

 

نجاح يصنعه أبناء القرية

وراء المشهد الاحتفالي الذي يظهر خلال أيام الموكار، هناك عمل جماعي يبدأ قبل موعد التظاهرة بوقت كافٍ، ويشارك فيه عدد من أبناء القرية والداعمين والمتطوعين.

ولهذا، ترى الجمعية أن نجاح «ألموكار» لا يمكن اختزاله في برنامج أو أنشطة محددة، وإنما هو نتيجة طبيعية لتضافر جهود أبناء آيت طالب إبراهيم، وإصرارهم على الحفاظ على موعد أصبح جزءاً من الذاكرة السنوية للقرية.

ومن خلال هذه المشاركة، تبدو القرية وكأنها تقدم نموذجاً محلياً في قدرة أبناء المجال على تنظيم مبادرة جماعية وتحويلها إلى مناسبة تستقطب حضوراً من خارج حدودها.

 

آيت طالب إبراهيم.. قرية تبحث عن إشعاعها الخاص

بعيداً عن أجواء الموكار، تكشف التجربة التي راكمتها القرية عن رغبة واضحة في بناء صورة جديدة للمجال، تقوم على العمل الجماعي والمبادرات التنموية والحفاظ على الهوية الثقافية.

فآيت طالب إبراهيم لا تقدم نفسها فقط باعتبارها مكاناً يحتضن مناسبة سنوية، وإنما كقرية يحاول أبناؤها جعلها فضاءً حياً، تتقاطع فيه التنمية مع الثقافة، والعمل الجمعوي مع العلاقات الاجتماعية، والاحتفال مع الحفاظ على الذاكرة المحلية.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة «ألموكار»: أنه يمنح القرية فرصة للظهور أمام زوارها وضيوفها في صورة مختلفة، ويتيح لأبنائها التعبير عن ارتباطهم بمكانهم، فيما يفتح المجال أمام الآخرين لاكتشاف منطقة تقوم على قيم التآخي والتضامن وحسن الاستقبال.

ومع استمرار هذا الموعد وتراكم التجربة التنظيمية، يبدو أن «ألموكار آيت طالب إبراهيم» يتجه إلى تثبيت موقعه ضمن المواعيد السنوية البارزة على مستوى المنطقة، خصوصاً إذا واصل الانفتاح على القبائل والمناطق المجاورة، وتعزيز البعد الثقافي والتنموي للتظاهرة.

في النهاية، قد يكون سر نجاح «ألموكار» أبسط مما يبدو: قرية اجتمع أبناؤها حول فكرة واحدة، وهي أن التنمية لا تبدأ دائماً من المشاريع الكبرى، وإنما يمكن أن تبدأ من الحفاظ على الروابط، وصون الذاكرة، وتشجيع المبادرات، وخلق مناسبات تجعل أبناء المنطقة يلتقون من جديد.