عبد الحق درمامي
بعد عامين استثنائيين ثقيلين في ذاكرة المغاربة، يطلّ عيد الأضحى لسنة 2026 هذه المرة على وقع مؤشرات مختلفة، توحي بأن الموسم قد يكون أقرب إلى “العودة الطبيعية” بعد مرحلة اتسمت بالقلق والندرة والغلاء.
فقبل سنتين، عاشت الأسر المغربية على وقع أسعار ملتهبة جعلت اقتناء الأضحية عبئًا حقيقيًا على القدرة الشرائية، حتى بدا العيد بالنسبة إلى فئات واسعة مناسبة مثقلة أكثر مما هي شعيرة جامعة. ثم جاءت السنة الماضية لتكرّس وضعًا غير مسبوق في الوعي الجماعي، بعدما مرّ عيد الأضحى في المغرب بدون شعيرة الذبح، في سياق ظرفية صعبة طبعتها تداعيات الجفاف، وتراجع القطيع، وارتفاع كلفة الأعلاف، وما فرضه ذلك من اختيارات استثنائية رُوعي فيها الحفاظ على التوازن العام وتخفيف الضغط عن الأسر المغربية.
اليوم، ومع اقتراب عيد الأضحى 2026، يبدو المشهد مختلفًا في الظاهر، لكنّه يحتاج إلى قراءة هادئة لا تنخدع فقط بلغة الأرقام ولا تكتفي بخطاب الطمأنة. فالمعطيات المتداولة عن انتعاش المراعي بفعل التساقطات المطرية الأخيرة، وعن ارتفاع تعداد القطيع الوطني، وعن الإجراءات التنظيمية واللوجستية التي تباشرها الجهات الرسمية والمهنية، كلها عوامل تمنح انطباعًا بأن المغرب يدخل هذا الموسم بشروط أفضل بكثير مما كان عليه في السنتين الماضيتين.
غير أن السؤال الذي يهم المواطن في النهاية لا يتعلق فقط بوفرة القطيع داخل الضيعات أو في الإحصاءات، بل بما إذا كانت هذه الوفرة ستصل فعلًا إلى السوق، ثم إلى جيبه، في شكل أثمان معقولة تحفظ للعيد معناه الاجتماعي والديني دون أن تتحول الأضحية مرة أخرى إلى عبء مرهق.
الواقع أن التفاؤل الحالي مفهوم ومبرر إلى حدّ بعيد. فالأمطار الأخيرة لم تكن مجرد خبر مناخي عابر، بل عنصرًا حاسمًا في معادلة تربية الماشية، لأنها أعادت جزءًا من الحياة إلى المراعي الطبيعية وخففت من الضغط على الكسابة الذين أنهكتهم خلال السنوات الماضية كلفة الأعلاف المركبة. وكلما توفّر الكلأ الطبيعي، تراجعت نسبيًا كلفة التسمين، وهو ما ينعكس نظريًا على أسعار العرض. كما أن الحديث عن قطيع وطني بلغ مستويات مريحة، إن تأكدت دقته ميدانيًا، يعني أن شبح الندرة الذي خيّم على المواسم السابقة لم يعد بنفس الحدة، وأن السوق قد تتوفر له قاعدة عرض أوسع، بما يحدّ من التوتر الذي كان يفتح الباب أمام المضاربة والزيادات غير المبررة.
لكن، ورغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، سيكون من التبسيط المفرط أن نربط بين ارتفاع عدد الرؤوس وبين انخفاض الأسعار بشكل آلي. فالسوق المغربية، خاصة في المواسم الكبرى، لا تشتغل بمنطق العرض وحده، بل تتحكم فيها أيضًا حلقات الوساطة والمضاربة وكلفة النقل واختلالات التوزيع والفوارق بين المناطق. ولذلك، فالأقرب إلى الواقعية ليس الحديث عن “انهيار منتظر للأسعار”، بل عن إمكانية حصول “استقرار نسبي” مقارنة بالسنوات السابقة. وهذا فرق جوهري. فالمغاربة لا ينتظرون بالضرورة أضاحي رخيصة بالمعنى الحرفي، بقدر ما ينتظرون سوقًا أقل توترًا، وأقل خضوعًا لابتزاز الندرة، وأكثر عدلًا في انتقال الأضحية من يد “الكسّاب” إلى يد المستهلك.
هنا تحديدًا تظهر أهمية ما تعلنه الحكومة والمهنيون من إجراءات استباقية، سواء على مستوى دعم إعادة هيكلة قطاع المواشي، أو على مستوى التتبع الرقمي، أو تنظيم الأسواق النموذجية، أو محاولة تقليص دور الوسطاء. فالتجربة المغربية في المواسم السابقة أثبتت أن وفرة القطيع وحدها لا تكفي إذا ظلّت مسالك التسويق رهينة المضاربين و”الشناقة”، لأن الخلل لا يبدأ دائمًا من الضيعة، بل كثيرًا ما يتضخم بين الضيعة والسوق. وإذا كانت الدولة قد استوعبت بالفعل دروس السنوات الأخيرة، فإن نجاح موسم 2026 لن يُقاس فقط بما يُقال عن أعداد الرؤوس، بل بمدى قدرتها على ضمان شفافية حقيقية في التسويق، ومراقبة فعلية للأسعار، وتضييق الخناق على كل من يحاول تحويل المناسبة إلى فرصة للاحتكار والربح السريع.
كما أن السنة الماضية، التي مرّ فيها عيد الأضحى بدون شعيرة الذبح، لم تكن مجرد محطة ظرفية عابرة، بل كشفت للمغاربة، ولصناع القرار أيضًا، هشاشة العلاقة بين الشعيرة والقدرة الشرائية. فقد ظهر بوضوح أن شرائح واسعة من الأسر كانت تدخل هذا الموسم تحت ضغط اجتماعي ونفسي يفوق قدرتها المالية، وأن الحفاظ على الطابع الديني والرمزي للعيد لا ينبغي أن يتحول إلى سباق صامت نحو الاستدانة أو التضحية بميزانية الأسرة. من هذه الزاوية، يبدو عيد الأضحى 2026 أكثر من مجرد عودة لموسم عادي؛ إنه اختبار حقيقي لمدى قدرة المغرب على التوفيق بين احترام الشعيرة، وصيانة القطيع الوطني، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
ولعلّ أهم ما ينبغي التنبيه إليه في هذا السياق هو أن الخطاب المتفائل، مهما كانت وجاهته، لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب احتفالي مبكر. فالقدرة الشرائية ما تزال مثقلة بارتفاع كلفة المعيشة عمومًا، والأسرة المغربية لم تتعافَ بالكامل من موجات التضخم المتتالية، وأي انفلات بسيط في السوق قد يبدد بسرعة كل أثر إيجابي للأمطار أو للوفرة المعلنة. لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس أن يمرّ العيد في “ظروف عادية” فقط، بل أن يشعر المواطن فعلًا بأن هذه العادية ليست مجرد وصف إداري، بل واقع ملموس يترجم في الأسعار وفي سهولة الولوج إلى الأضحية دون عناء أو إذلال اقتصادي.
في العمق، يبدو عيد الأضحى 2026 في المغرب وكأنه يقف بين ثلاث صور متجاورة في الذاكرة الجماعية: صورة سنة اشتعلت فيها الأسعار حتى صار الكبش عنوانًا للمعاناة الصامتة، وصورة سنة غابت فيها شعيرة الذبح تحت ضغط الضرورة، وصورة سنة جديدة تراهن على التعافي والعودة. وبين هذه الصور الثلاث، يتحدد معنى الموسم الحالي. فإذا نجحت الدولة والمهنيون في تحويل الوفرة إلى أثر حقيقي في السوق، وفي كبح جماح المضاربة، وفي جعل الأسعار أقرب إلى المعقول، فإن المغرب سيكون قد تجاوز بالفعل واحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها هذا القطاع، وسيستعيد العيد جزءًا من طبيعته المفقودة. أما إذا بقيت الوفرة حبيسة الأرقام والبلاغات، وترك السوق مرة أخرى لسلطة الوسطاء، فإن الخوف كل الخوف أن يكتشف المواطن، في آخر المطاف، أن ما بدا انفراجًا في بداية الموسم لم يكن سوى طمأنة مؤجلة الاصطدام بالواقع.
وعليه، فإن عيد الأضحى 2026 لا يُختبر فقط بعودة الأضحية إلى الأسواق، بل بعودة التوازن إلى العلاقة بين المواطن والسوق والدولة. فالمغاربة لا ينتظرون مجرد عيد يُقام، بل عيدًا لا يُرهق، ولا يُربك، ولا يُشعرهم بأن شعيرة الفرح صارت امتحانًا قاسيًا للجيب. وإذا كان من عنوان حقيقي لهذا الموسم، فهو أن الرهان لم يعد فقط على وفرة القطيع، بل على عدالة الوصول إليه. وفي هذا وحده يتحدد ما إذا كانت سنة 2026 ستكون فعلًا سنة الانفراج، أم مجرد هدنة قصيرة في ذاكرة غلاء لم تندمل بعد.
