شريط الاخبار

تسلل واضح: ميدو بركات واخرون …من لحيتو لقم ليه

الياس اعراب

في مقال سابق من هذا العمود بعنوان “المونديال وازدواجية المعايير في الإعلام العربي”، تحدثنا عن إعلام يرى في أي تفصيل يخص المغرب فرصة لتصريف حقده أكثر مما يراه خبراً يُناقش بمهنية. اليوم، لم نعد أمام تحليل أو انطباع، بل أمام واقعة جديدة تؤكد أن ذلك لم يكن مجرد رأي، بل توصيفاً دقيقاً لواقع يتكرر بنفس السيناريو: المغرب في الواجهة… والبعض في موقع التصويب.
جاء حكم لجنة الاستئناف في الاتحاد الإفريقي ليضع نقطة واضحة في سطر كان مليئاً بالتأويلات. فوز إداري بثلاثية نظيفة بعد اعتبار المنتخب السنغالي منسحباً؛ قرار قانوني في ظاهره، لكنه في عمقه كشف أشياء أكبر بكثير من نتيجة مباراة. لم يكن انتصاراً على منتخب، بل على فوضى، وعلى منطق يعتبر الشغب وسيلة ضغط، وعلى عقلية ترى أن التهديد قد يغيّر نتائج فوق أرضية الملعب.
لكن المثير لم يكن القرار في حد ذاته، بل ردود الفعل التي تلته. فجأة، ظهر “سنغاليون جدد” في شمال إفريقيا، يصرخون أكثر من السنغاليين أنفسهم، ويدافعون بحماسة عن مشاهد لا تحتاج إلى تعليق: فوضى، توتر، وخرق واضح لأبسط قواعد اللعبة. تحوّل الشغب إلى رد فعل، والتنظيم المحكم إلى استفزاز، وانقلبت المفاهيم في لحظة واحدة.
إذا كان الموقف الجزائري متوقعاً في سياق معروف، فإن ما أثار الانتباه فعلاً هو انخراط أصوات من الإعلام المصري في نفس الجوقة، بنفس النبرة ونفس الاتهامات الجاهزة. وكأن المطلوب ليس فهم ما حدث، بل فقط معارضة المغرب، أياً كان الموضوع وأياً كانت المعطيات. هنا لا يعود الأمر اختلافاً في الرأي، بل يتحول إلى اصطفاف مكشوف، حيث تختفي المهنية وتظهر الحسابات.
والأغرب أن من يوزّع اليوم دروس “النزاهة الكروية”، هو نفسه من ترك وراءه تاريخا ملطخا بتصريحات لا تحتاج إلى كثير من التحليل. فمثلاً، خرج اللاعب السابق “ميدو” ليتحدث عن ممارسات غريبة في فترة من الفترات، تتعلق باستعمال طقوس وشعوذة داخل المنتخب، من قبيل “الزئبق الأحمر” والتبخير وسحب الأحذية قبل المباريات. حديث لم يأتِ من خصم، بل من داخل التجربة نفسها.
ثم نجد اعترافات أخرى، مثل ما صرّح به محمد بركات حول ضربة جزاء مثيرة للجدل في نهائي 2008، والتي ظلت لسنوات تُقدَّم كـبطولة، قبل أن تتحول إلى مثال يُستحضر كلما طُرحت مسألة التحكيم.
أما الأكثر إثارة، فهو ما تم تداوله عن تصريحات لنجم الزمالك والمنتخب المصري فاروق جعفر، الذي تحدث عن كواليس اجتماعات مع حكام المباريات والتأثير على مجرياتها، وهي أمور تكفي وحدها لطرح أكثر من علامة استفهام حول تلك المرحلة بأكملها وعن احقية مصر وانديتها بالألقاب التي تتفاخر بها.
هذه الأمثلة، سواء اختلفنا أو اتفقنا حول تفاصيلها، تبقى جزءاً من نقاش خرج من داخل البيت نفسه، ولا يمكن تجاهله بسهولة حين يتم توزيع دروس في الأخلاق الرياضية على الآخرين. فردّنا كمغاربة يأتي ببساطة من تصريحاتهم نفسها، وكما يقول المثل المغربي: “من لحيتو لقم ليه”. فمن يريد اليوم إعطاءنا الدروس، فما عليه سوى مراجعة تاريخه الذي تفوح منه رائحة الفساد، ونحن متأكدون أن نجاح المغرب على كل المستويات سيزيد من هذا الضجيج، ومهما كانت نتيجة النهائي سيخرجون معاولهم ليصوّروا نجاح المغرب كفضيحة.
ففي قارة إفريقيا، للأسف، بدل أن يُكافأ المغرب على محاولته دفع كرة القدم نحو مزيد من الاحتراف، يجد نفسه في كل مرة مطالباً بالدفاع عن أبسط حقوقه: تطبيق القانون. وكأن الالتزام بالقواعد أصبح تهمة، والانتصار وفق اللوائح صار “فضيحة” في أعين البعض. نفس الأصوات التي تتحدث عن تطوير الكرة الإفريقية هي نفسها التي تنزعج حين يبدأ هذا التطوير فعلاً، لأنها ببساطة تتحسس مصالحها.
قبل البطولة، قيل إن اللقب “مفصّل” للمغرب. ولو فاز، فذلك دليل تواطؤ. ولو خسر، فذلك “حجمه الطبيعي”. ولو تعادل، فهناك مؤامرة لم تكتمل. في قاموسهم، كل الطرق تؤدي إلى نفس النتيجة: المغرب مخطئ دائماً، حتى وهو يلتزم بالقانون.
نحن إذن أمام مشهد يتكرر: نجاح مغربي يقابله تشكيك، وتقدم يقابله إنكار، وقرار قانوني يتحول إلى مادة للاتهام. إنها ازدواجية لا تحتاج إلى دليل، لأنها تُعلن نفسها بنفسها في كل مرة. والفضيحة الحقيقية ليست في فوز المغرب، بل في انكشاف تأخر الآخرين وتقهقرهم، مقابل التطور الذي تعرفه المملكة والاعتراف الدولي المتزايد بنجاحاتها.
وفي الختام، قبل أن نرفع راية التسلل، لا بد من تذكير بسيط: من كان بيته من زجاج، لا يرشق الآخرين بالحجارة. أما من اختار أن يعادي كل نجاح لا يحمل اسمه، فذلك شأنه… لكن عليه أن يتحمل أيضاً صورة المرآة حين تعكسه كما هو.

شارك المقال شارك غرد إرسال