لم يكن نهائي كأس أمم إفريقيا مجرد مباراة تُحسم بركلات الترجيح، ولا مجرد تتويج لمنتخب على حساب آخر. ما جرى في التسعين دقيقة وما بعدها فتح، بصوت عالٍ هذه المرة، نقاشًا قديمًا مؤجلًا حول التعليق الرياضي العربي: هل هو مهنة قائمة على الحياد والميزان البارد؟ أم امتداد خفي لمعركة هويات وسياسات تُمرَّر عبر الميكروفون؟
منذ صافرة البداية، التقط جمهور واسع نبرة مختلفة في التعليق. نبرة جعلت اسم عصام الشوالي يتصدّر النقاش، لكن ليس كما اعتاد البعض في السنوات الأخيرة. الشوالي، الذي وُضع كثيرًا في خانة “المعلّق العاطفي”، ظهر في النهائي بوجه آخر: قراءة هادئة، لغة منضبطة، وحرص واضح على إبقاء المسافة نفسها من الطرفين.
في اللقطات التحكيمية الحساسة، تحديدًا تلك المرتبطة بإلغاء هدف للسنغال قبل ركلة الجزاء، لم ينزلق الشوالي إلى خطاب المظلومية، ولم يُحمِّل الحكم نوايا مسبقة. شرح الحالة، ناقشها فنيًا، وترك الحكم النهائي للمشاهد. هذا السلوك، البسيط في ظاهره، كان كافيًا ليعيد الاعتبار لفكرة أن المعلّق ليس طرفًا في المباراة، بل شاهدًا مهنيًا عليها.
على الضفة الأخرى، كان اسم حفيظ دراجي حاضرًا بقوة، لكن في سياق مغاير. دراجي، الذي بنى لسنوات صورة المعلّق الصارم والبارد، وجد نفسه هذه المرة في مرمى انتقادات حادة من جماهير عربية متعددة، لا من جمهور فريق خاسر فقط. الانتقاد لم يكن حول جملة عابرة أو انفعال لحظي، بل حول ما اعتبره متابعون “انحرافًا عن الخط المهني” و”تسييسًا للخطاب الرياضي”.
على منصات التواصل الاجتماعي، تداولت مقاطع وتعليقات تُحلّل نبرة دراجي، اختياراته اللغوية، وطريقة توصيفه للأحداث، وذهب بعض المنتقدين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن خطابه بدا منسجمًا مع سرديات رسمية جزائرية، بل إن أصواتًا متشددة وصفت ظهوره وكأنه “امتداد إعلامي لأجهزة الدولة”.
وهنا، لا بد من التوقف عند نقطة أساسية: هذه توصيفات متداولة في الفضاء الرقمي، تعكس غضبًا وفقدان ثقة، لكنها تبقى آراءً وانطباعات لا وقائع مثبتة. غير أن خطورتها لا تكمن في دقتها من عدمها، بل في كونها مؤشرًا على تآكل صورة مهنية بُنيت عبر سنوات.
المفارقة التي شدت الانتباه أن دراجي نفسه كان يُقدَّم دائمًا كنموذج للتعليق “العقلاني”، حتى في مباريات منتخب بلاده. كان يشيد بالخصم، يعترف بالأخطاء التحكيمية ضد الجزائر، ولا يتردد في انتقاد الأداء حين يستوجب الأمر. لذلك جاء هذا التحول، إن صح التعبير، صادمًا لقطاع من الجمهور الذي اعتاد منه نبرة مختلفة.
في المقابل، خرج الشوالي من النهائي وهو يحصد إشادات غير معتادة من جماهير لا تنتمي لا لتونس ولا للسنغال. إشادات ركزت على فكرة واحدة: “أعادنا إلى متعة الكرة دون ضجيج”. هذا الرصيد المعنوي، في عالم الإعلام الرياضي، لا يُشترى ولا يُصنع بالخطابات، بل يتراكم في اللحظات الكبيرة، حين تكون العيون مشدودة والاختبار قاسيًا.
القصة، في جوهرها، لا تتعلق بالشوالي ولا بالدراجي كشخصين، بل بنموذجين للتعليق. نموذج يرى في الميكروفون أداة تحليل ومتعة، ونموذج آخر يُتهم – عن حق أو مبالغة – بأنه يسمح بتسرّب السياسة إلى مساحة يُفترض أنها للرياضة فقط.
بعد هذا النهائي، بدا واضحًا أن الجمهور العربي لم يعد متسامحًا مع الانحياز، ولا مع تحويل المباريات إلى منصات رسائل. الوعي تغيّر، وحساسية المتلقي ارتفعت، وأي خروج عن الحياد يُلتقط فورًا ويُحاسَب عليه.
قد تمر الأيام وتُنسى تفاصيل المباراة، لكن ما لن يُنسى بسهولة هو هذا التحول في النظرة إلى أصوات اعتدناها. ففي الإعلام، كما في الكرة، السمعة تُبنى ببطء، لكنها قد تتصدع في ليلة واحدة. والحياد، حين يغيب، لا يترك فراغًا فقط… بل يفتح الباب لكل التأويلات.
