شريط الاخبار

الضمان الاجتماعي بين الإصلاح المعلن والتسيير المتعثر

لم يعد الحديث عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مجرد نقاش تقني داخل دوائر الخبراء أو ملفات مفتوحة في رفوف الإدارة، بل تحول إلى موضوع يومي يلامس حياة فئات واسعة من المغاربة، بين أجراء ومقاولات ومهنيين، في ظل تراكم أعطاب لم تعد تخفى على أحد.

تتعدد مظاهر الاختلال، لكن جوهر الإشكال يبدو أكثر وضوحاً كلما تعمقنا في تفاصيله: نحن أمام أزمة تسيير قبل أن تكون أزمة موارد أو نصوص قانونية. مؤسسة يفترض أن تكون ركيزة أساسية في منظومة الحماية الاجتماعية، تجد نفسها في مواجهة أسئلة متكررة حول نجاعة التدبير، وانسجام القرار الإداري، وقدرة الأجهزة المسؤولة على مواكبة حجم التحول الذي تعرفه البلاد في هذا المجال.

الأعطاب التقنية التي تتكرر في المنصات الرقمية، والتعقيدات التي يواجهها المرتفقون في الولوج إلى الخدمات، ليست سوى العَرَض الظاهر لخلل أعمق. فالرقمنة، بدل أن تتحول إلى رافعة لتبسيط المساطر، أصبحت في كثير من الأحيان طبقة إضافية من التعقيد، تعكس ضعفاً في التخطيط المسبق، وغياباً لتدرج إداري واضح في تنزيل التحول الرقمي.

في المقابل، يبرز ملف التصريح بالأجراء، سواء الكلي أو الجزئي، كأحد أكثر الملفات حساسية، ليس فقط لأنه يمس التوازنات المالية للصندوق، بل لأنه يكشف محدودية آليات المراقبة والتتبع، ويطرح سؤال فعالية المنظومة الإدارية في فرض احترام الالتزامات القانونية داخل سوق شغل يعرف مستويات عالية من الهشاشة والتفاوت.

ما يتكرر أيضاً في النقاش العمومي هو مسألة تراكم القرارات الإصلاحية دون أثر ملموس كافٍ على جودة الخدمات اليومية. إصلاحات كبرى تُعلن، وخطط تُطلق، لكن على مستوى التفاعل اليومي مع المرتفق، لا تزال الشكاوى نفسها تتكرر، وكأن الزمن الإداري لا يتحرك بنفس سرعة الزمن التشريعي أو السياسي.

في العمق، تكمن المعضلة في طبيعة التدبير نفسه. فالمؤسسة تبدو في كثير من اللحظات وكأنها تتحرك بين مستويات متعددة من القرار، دون انسجام كافٍ في الرؤية التنفيذية. وهذا ما يجعل بعض الإجراءات تبدو متقدمة على الورق، لكنها متعثرة في التطبيق، أو بطيئة إلى درجة تفقد معها أثرها العملي.

إن الإشكال هنا لا يتعلق فقط بقدرة مالية أو بإطار قانوني، بل بمنظومة تسيير تحتاج إلى إعادة ضبط دقيقة: وضوح في المسؤوليات، تسريع في اتخاذ القرار، تعزيز لآليات المراقبة، وربط فعلي بين الإصلاح المعلن وجودة الخدمة المقدمة على الأرض.

لذلك، فإن أي مقاربة جدية لإصلاح هذا القطاع لا يمكن أن تتجاهل أن جوهر الأزمة إداري بالأساس. فبدون معالجة اختلالات التدبير، ستظل كل الإصلاحات محكومة بنفس الحلقة: طموحات كبيرة على مستوى التصميم، ونتائج أقل إقناعاً على مستوى التنفيذ.

شارك المقال شارك غرد إرسال