في خضم رقعة جغرافية تتسم بالاضطراب وتطويقها الأزمات من الساحل جنوباً إلى حوض المتوسط شمالاً، تبرز المملكة المغربية كـ”حجر زاوية” لضمان الاستقرار الإقليمي، وهو واقع جيوسياسي تدركه واشنطن جيداً وتترجمه عبر خطوط إمداد عسكري لا تنقطع. وفي هذا السياق، لم يكن الإشعار الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في أواخر يوليو/ تموز الماضي مجرد إجراء بيروقراطي، بل رسالة استراتيجية جديدة تؤكد عمق الشراكة العسكرية الاستثنائية بين البلدين.
الوثائق الرسمية كشفت عن إحالة ملف دفاعي يحمل الرقم (DDTC 25-132) إلى الكونغرس، يمنح ترخيصاً لتصدير معدات دفاعية وتكنولوجيا عسكرية دقيقة للمغرب بقيمة 50 مليون دولار. ورغم أن هذا الرقم قد يبدو اعتيادياً في لغة صفقات السلاح الكبرى، إلا أن طبيعة المسار الذي اتخذه هذا الملف تكشف عن مستوى غير مسبوق من الثقة المتبادلة، وتؤكد مساعي الرباط الحثيثة لتكريس تفوقها العسكري كقوة إقليمية لا غنى عنها.
تكنولوجيا حساسة وثقة مطلقة.. دلالات “الترخيص السري”
على عكس صفقات “المبيعات العسكرية الخارجية” (FMS) التي تعلن تفاصيلها وكالة التعاون الأمني الدفاعي بوضوح، مرّ هذا الترخيص عبر “مديرية مراقبة تجارة الدفاع” (DDTC)، وهو نظام مخصص للمبيعات التجارية المباشرة التي تشمل غالباً نقل تكنولوجيا فائقة الدقة، أو أنظمة حرب إلكترونية، أو برمجيات للقيادة والسيطرة لا تمنحها واشنطن إلا لحلفائها الأكثر موثوقية.
الغياب المتعمد للتفاصيل التقنية عن الإشعار، وعدم الكشف عن هوية الشركة المصنعة أو نوعية السلاح، لا يعكس فقط حماية للأسرار الصناعية، بل يؤكد أن المغرب بات يستقطب “أسلحة نوعية” وتكنولوجيا عسكرية متطورة تتجاوز التسليح التقليدي. هذا المستوى من التعاون يتطلب موافقة خاصة من الكونغرس وفقاً للمادة 36(ج) من قانون مراقبة صادرات الأسلحة، مما يثبت أن واشنطن تتعامل مع الجيش المغربي كشريك قادر على استيعاب وحماية تكنولوجيا دفاعية بالغة الحساسية.
من “مشتري للسلاح” إلى “شريك استراتيجي”
لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن التحول الجذري في العقيدة العسكرية المغربية وفي طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة. فالأمر لم يعد يقتصر على علاقة بائع بمشترٍ، بل تطور إلى “شراكة استراتيجية مهيكلة”.
لقد أثبت المغرب، الذي يحظى بوضع “حليف رئيسي من خارج الناتو”، قدرته على تحقيق تكامل عملياتي (Interoperability) عالٍ مع القوات الأمريكية. ويتجلى ذلك سنوياً في احتضانه وقيادته لمناورات “الأسد الإفريقي”، الأضخم في القارة، والتي تحاكي سيناريوهات حرب متطورة تتطلب تنسيقاً عملياتياً دقيقاً. هذا التلاحم العسكري يجعل من الرباط القاعدة الأكثر صلابة للبنتاغون في التعامل مع التهديدات العابرة للحدود في شمال إفريقيا والساحل والصحراء.
ميلاد قوة إقليمية.. عقيدة التحديث والردع
الترخيص الأمريكي الأخير ليس سوى قطعة من فسيفساء ضخمة ترسم ملامح القوة العسكرية المغربية الصاعدة. فخلال السنوات القليلة الماضية، أطلقت الرباط خطة تحديث شاملة لترسانتها العسكرية، محققة قفزات نوعية أربكت الحسابات الإقليمية ومكّنتها من فرض معادلة ردع قوية.
بمباركة ودعم أمريكيين، نوعت المملكة واقتنت أسلحة تغير قواعد الاشتباك؛ بدءاً من صواريخ “AMRAAM” جو-جو الموجهة، والقنابل الذكية فائقة الدقة “GBU-39B”، مروراً بأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، وصولاً إلى أسراب مقاتلات “إف-16 فايبر” ومروحيات “الأباتشي” الهجومية التي ستتسلمها قريباً.
لم يكتفِ المغرب باقتناء السلاح، بل دخل بقوة نادي القوى المشغلة للطائرات بدون طيار (الدرونز) الهجومية والاستطلاعية، وبات يؤسس لبنية تحتية دفاعية تهدف إلى توطين بعض الصناعات العسكرية محلياً، وهو ما يمنحه استقلالية استراتيجية ومرونة عملياتية غير مسبوقة.
رسالة النفوذ والتفوق
إن استمرار تدفق التراخيص الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتقدمة نحو المملكة في هذا التوقيت الحساس، يبعث برسالة واضحة العناوين: واشنطن حسمت خيارها بالرهان المطلق على الرباط كحليف استراتيجي و”شرطي استقرار” في منطقة تعج بالفوضى.
وفي المقابل، تؤكد الرباط من خلال صفقاتها المدروسة والنوعية، أن مشروعها لتحديث قواتها المسلحة ليس مجرد رد فعل على التوترات الجارية، بل هو رؤية سيادية لتكريس واقع جيوسياسي جديد، يقف فيه المغرب كقوة إقليمية مهيمنة تمتلك من القوة الرادعة والتكنولوجيا العسكرية ما يكفي لحماية مصالحها العليا وفرض الاستقرار في محيطها الإقليمي.
