تعيش الدبلوماسية الجزائرية في السنوات الأخيرة حالة من الانكماش والتوتر غير المسبوق مع محيطها الجيوسياسي، لتجد نفسها في مواجهة مفتوحة مع جوارها المباشر وعمقها الاستراتيجي، وصولاً إلى قوى دولية وإقليمية. لم يعد هذا التأزم مجرد حوادث عابرة، بل تحول إلى نمط هيكلي يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة صنع القرار في قصر المرادية، والدور المهيمن للمؤسسة العسكرية في توجيه السياسة الخارجية التي باتت تعتمد على تصدير الأزمات وافتعال المعارك الدونكيشوتية للهروب من الاستحقاقات الداخلية.
ولعل التساؤل الأبرز الذي يطرح نفسه بقوة في المشهد الحالي هو: لماذا تخاف الجزائر من الإمارات؟ الإجابة تكمن في طبيعة العقلية التي تدير النظام الجزائري، والتي تتسم بحساسية مفرطة تجاه أي قوة تمتلك رؤية براغماتية وتحالفات لا تتطابق مع أجندتها الكلاسيكية. الخوف الجزائري من أبوظبي ليس نابعاً من تهديد عسكري مباشر، بل من نجاح الدبلوماسية الإماراتية في نسج شبكة علاقات استراتيجية واقتصادية قوية في المنطقة، وعلى رأسها التحالف المتين مع المغرب. هذا التقارب، إضافة إلى الحضور الإماراتي الاستثماري والسياسي الفاعل في موريتانيا ودول الساحل، يقرؤه العسكر في الجزائر بعقلية “المؤامرة” والتطويق. وبدلاً من بناء شراكات اقتصادية منافسة، لجأت الآلة الإعلامية الرسمية إلى شن حملات تخوين مستمرة تتهم الإمارات بلعب دور خفي لزعزعة استقرارها، في محاولة يائسة لتبرير العجز الجزائري عن المنافسة الدبلوماسية والاقتصادية في القارة السمراء.
هذه الفوبيا من التحالفات الإقليمية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقدة الأساسية للنظام الجزائري المتمثلة في الجار الغربي. فالعلاقة مع المغرب تحكمها معادلة صفرية وعداء هيكلي تجسد في خطوات تصعيدية أحادية كقطع العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق المجال الجوي، ووقف أنبوب الغاز. النظام العسكري، الذي لا يزال أسيراً لمنطق الحرب الباردة، ينظر إلى أي مكسب دبلوماسي مغربي، لا سيما الاختراقات الاستراتيجية في قضية الصحراء وتوسع شراكات الرباط الدولية، على أنه تهديد وجودي. هذا الهوس بالعداء للمغرب حول الدبلوماسية الجزائرية من أداة لرعاية المصالح وبناء التكامل الإقليمي، إلى مجرد آلة لعرقلة مسار الجار، مما استنزف مقدرات البلاد في معارك صفرية خاسرة.
ولم يقف نزيف الخسائر الدبلوماسية عند الحدود الغربية، بل امتد جنوباً ليضرب العمق الاستراتيجي للجزائر في منطقة الساحل. لقد انهارت السردية التي لطالما روجت لها الجزائر كـ “عراب أمني” للمنطقة، وتجلى ذلك بوضوح في القطيعة العنيفة مع مالي. إعلان المجلس العسكري في باماكو إنهاء العمل بـ “اتفاق الجزائر” للسلام، وتوجيهه اتهامات صريحة ومباشرة للجزائر بالتدخل في شؤونه الداخلية ودعم الحركات الانفصالية، كشف عن عجز جزائري فاضح في استيعاب التحولات الجيوسياسية السريعة. ومع دخول قوى دولية جديدة كحليف للأنظمة العسكرية في الساحل، فقدت الجزائر نفوذها التاريخي، وتحولت حدودها الجنوبية الشاسعة إلى حزام من النار والتوتر الأمني المستمر.
شمالاً، لا يبدو المشهد أقل قتامة مع فرنسا، حيث تتأرجح العلاقات دائماً بين الابتزاز الدبلوماسي والقطيعة. يوظف النظام العسكري ورقة “الذاكرة الاستعمارية” كصمام أمان لاستنهاض المشاعر الوطنية كلما اشتد الخناق الداخلي وبدأت المطالب الشعبية بالتصاعد. ومع التحول التاريخي الأخير للموقف الفرنسي الداعم صراحة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، سقطت آخر أوراق “دبلوماسية الغاز” الجزائرية التي حاولت عبثاً مقايضة المصالح الاقتصادية بالمواقف السياسية. وجاء الرد الجزائري الانفعالي بسحب السفير ليكرس المزيد من العزلة، ويثبت أن سياسة ردود الأفعال اللحظية هي المحرك لدبلوماسية تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
في المحصلة، لا يمكن فصل هذه الصدامات المتزامنة والمتعددة الجبهات عن الأزمة الهيكلية العميقة التي يعيشها النظام الحاكم منذ حراك 2019. عسكرة الدبلوماسية والحاجة الماسة لاختلاق أعداء خارجيين، سواء كانوا في الرباط أو باريس أو أبوظبي أو باماكو، هي مجرد استراتيجية بقاء للالتفاف على المطالب الديمقراطية وتبرير الجمود السياسي والاقتصادي. النتيجة المأساوية اليوم هي أن الجزائر، بكل مقدراتها الطاقية وثقلها الجغرافي والتاريخي، تجد نفسها حبيسة جدار من العزلة الجيوسياسية التي بنته بيديها، محولةً حدودها من بوابات للتكامل إلى جبهات مفتوحة للتوتر الدائم.

