حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

في خطوة لم تفاجئ المتابعين للشأن السياسي المغربي، وكعادتها في كل محطة حاسمة، اختارت جماعة “العدل والإحسان” المحظورة التغريد مجدداً خارج الإجماع الوطني، معلنة اليوم الأربعاء 9 شتنبر 2026، مقاطعتها للانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 من الشهر الجاري.

الجماعة، وفي بيان صادر عن أمانتها العامة للدائرة السياسية، أعادت إنتاج خطابها الكلاسيكي المعتاد، مبررة هروبها من الاستحقاقات الانتخابية باسطوانة تتحدث عن غياب “شروط التنافس السياسي الحر والعادل”. وهو خطاب يرى فيه مراقبون محاولة مستمرة لتبخيس التراكمات التي حققها المغرب في مساره المؤسساتي والديمقراطي.

هروب من الاختبار الحقيقي ومحاكمة للنوايا

لغة البيان، التي استدعت مصطلحاتها الجاهزة من قبيل “الاستبداد” و”الفساد”، تبدو في قراءتها السياسية محاولة للتغطية على العجز المزمن للجماعة عن الانخراط الفعلي والإيجابي في تدبير الشأن العام. فبدلاً من النزول إلى معترك التنافس، وتقديم برامج عملية وحلول واقعية تواجه اختبار صناديق الاقتراع وتقييم الناخبين، تفضل الجماعة الركون إلى المدرجات، مكتفية بتوجيه الانتقادات ومحاكمة النوايا.

المفارقة العجيبة في الموقف الأخير للجماعة تتجلى في تبريرها المقاطعة بـ”انعدام الجدية في المنظومة السياسية”، في وقت يعتبر فيه العرف الديمقراطي العالمي أن قمة “انعدام الجدية” هي الدعوة للعدمية، ومقاطعة المؤسسات التي تشكل الإطار الوحيد والفعلي لإحداث التغيير والتداول السلمي على السلطة.

تناقضات الخطاب والممارسة

ولعل المثير للاستغراب في بيان الجماعة، هو محاولتها اليائسة للفصل بين مقاطعتها للانتخابات وادعائها “عدم الانسحاب من الشأن العام”. وهنا يطرح التساؤل الملح: كيف لجهة ترفض المشاركة في المؤسسات الدستورية المنتخبة التي تصنع القرار، وتدعو المواطنين صراحة إلى العزوف وعدم التصويت، أن تدعي نضالها من أجل “الحكم الرشيد”؟

إن هذا التناقض الصارخ يكشف أن الجماعة لا تزال حبيسة قوقعتها، ترفض الاعتراف بأن الإصلاح الحقيقي والتغيير الملموس يبنى من داخل المؤسسات وبسواعد الفاعلين فيها، وليس عبر بيانات الإدانة والمقاطعة السلبية.

في النهاية، يبدو أن الجماعة تصر على عزل نفسها في هامش المشهد، معتمدة على تكتيكها القديم المتمثل في محاولة الركوب على أي عزوف انتخابي محتمل لتسجيل انتصارات وهمية، متجاهلة أن الدينامية السياسية والقوى الحية في البلاد ماضية في ترسيخ المسار الديمقراطي، بعيداً عن دعوات التيئيس التي أثبتت عقمها عبر التاريخ السياسي الحديث.