في زمن أصبحت فيه التفاصيل الصغيرة تُضخَّم إلى درجة غير مفهومة، لم يعد غريباً أن تتحول ورقة يحملها مسؤول أثناء تصريح صحفي إلى مادة جاهزة للتأويل والاتهام والتجريح. هذا ما وقع، باختصار، مع المدير الجهوي للفلاحة بجهة فاس–مكناس، الذي وجد نفسه في قلب عاصفة رقمية، فقط لأنه التزم بنص مكتوب وهو يخاطب الصحافة على هامش المعرض الدولي للفلاحة بمكناس.
من حيث المبدأ، لا شيء خارج السياق. مسؤول يقدم معطيات، أرقام، مؤشرات، داخل تظاهرة دولية كبرى، من الطبيعي جداً أن يستند إلى ورقة معدة مسبقاً. بل إن هذا في حد ذاته سلوك إداري بديهي، يهدف إلى ضبط المعلومة وتفادي أي ارتباك قد يغير معناها أو يضعها خارج سياقها. لكن على ما يبدو، جزءاً من جمهور المنصات الرقمية قرر أن يقرأ المشهد بطريقة أخرى تماماً: لا يهم ماذا قيل، بل كيف قيل.
هنا تبدأ المفارقة.
فبدل أن يُناقش مضمون التصريح، وما يحمله من معطيات حول قطاع حساس واستراتيجي، تم اختزال المشهد في لقطة بصرية: ورقة، وقراءة، وصمت قصير بين الجمل. وكأننا أمام مسابقة في الخطابة الارتجالية، لا أمام خطاب مؤسساتي يخضع لقواعد الدقة والوضوح والمسؤولية.
الغريب في الأمر أن هذا النوع من النقد لا يمر عبر ميزان واحد. فلو خرج المسؤول نفسه بتصريح مرتجل، قد يخطئ فيه رقم أو يُساء فهم جملة منه، لكانت الانتقادات أكثر حدّة، وربما أكثر قسوة. لكن حين يختار التحضير المسبق، يصبح الاتهام جاهزاً أيضاً: غياب عفوية، ضعف تواصل، وربما ما هو أبعد من ذلك. وكأن المطلوب هو أن يكون المسؤول في حالة “ارتجال دائم”، حتى لو كان ذلك على حساب دقة المعلومة.
في الواقع، المؤسسات لا تُبنى على الانطباعات اللحظية، ولا تُدار بمنطق التصفيق أو الاستهجان الفوري. هناك سياقات رسمية، وهناك فعاليات دولية كبرى، مثل المعرض الدولي للفلاحة، حيث لا تُترك الكلمات للصدفة. كل رقم يُحسب، وكل عبارة تُوزن، وكل تصريح يُراجع قبل أن يُلقى، ليس لأن المسؤول يفتقد القدرة على الكلام، بل لأن الكلمة في هذا المستوى تصبح جزءاً من صورة بلد ومؤسسات.
لكن يبدو أن هذا المعطى البسيط يغيب أحياناً في زحمة التعليق السريع. فبدل مناقشة الرسائل الاقتصادية والفلاحية التي يفترض أن تكون هي العنوان، يتم الوقوف عند الشكل، وكأن الشكل أصبح أهم من المضمون نفسه.
ولعل المفارقة الأكبر أن كثيراً من المؤسسات في العالم، بل حتى في السياسة والإعلام، تعتمد النصوص الجاهزة في التصريحات الرسمية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأرقام وإحصائيات أو التزامات دقيقة. ليس ضعفاً في التواصل، بل حرصاً على عدم الانزلاق في التأويل أو الخطأ.
أما تحويل هذا السلوك إلى مادة للتندر أو التشكيك، فهو يعكس خللاً أعمق في طريقة تلقي الخطاب العمومي اليوم. حيث لم يعد المهم أن تكون المعلومة صحيحة، بل أن تُقدَّم بطريقة “مسلية” أو قابلة للانتشار السريع، حتى لو كان ذلك على حساب السياق والمعنى.
فالأمر لا يتعلق بشخص بعينه، بقدر ما يتعلق بثقافة كاملة في التعامل مع الخطاب العمومي. ثقافة تميل إلى التبسيط المخل، وإلى اختزال المؤسسات في لقطات عابرة، وإلى البحث عن “اللقطة” بدل فهم الرسالة.
