أثار عمل فني ضخم يجسد العلم الجزائري في ولاية كانساس الأمريكية جدلاً واسعاً، بعد أن كشفت تقارير إعلامية أن المبادرة التي قُدمت في البداية كخطوة عفوية لدعم المنتخب الوطني في كأس العالم 2026، ليست في الحقيقة سوى حملة علاقات عامة مدفوعة الأجر من قبل السلطات الجزائرية.
وتطرح هذه التقارير تساؤلات حادة حول أولويات الإنفاق العام في بلد يواجه فيه المواطنون تحديات اقتصادية واجتماعية ملحة، وتتباين فيه الرؤى حول طرق إدارة ثروات البلاد.
وكانت صور ومقاطع فيديو قد انتشرت على نطاق واسع تظهر حيزاً زراعياً شاسعاً مزيناً بألوان العلم الجزائري في الولايات المتحدة. وبينما احتفت أطراف رسمية وإعلامية بالخطوة معتبرة إياها ترحيباً أمريكياً واحتفاءً من الجالية بمنتخبها، أشارت معطيات متداولة إلى أن المشروع لم يكن تلقائياً، بل نُفذ عبر عقد بقيمة تناهز 350 ألف دولار أمريكي، مُنح لشركة متخصصة في العلاقات العامة والدعاية بتمويل وإشراف مباشر من السفارة الجزائرية في واشنطن.
وتضع هذه المعطيات، السلطات الجزائرية أمام انتقادات متزايدة بشأن غياب الشفافية في إدارة أموال دافعي الضرائب. ويرى منتقدون أن تخصيص مبالغ مالية بهذا الحجم لشركات الدعاية بهدف تحسين الصورة في الخارج، يأتي في وقت تتصاعد فيه المطالب الداخلية بتحسين القدرة الشرائية، ومعالجة البطالة، وتطوير الخدمات الأساسية، مما يوسع الفجوة بين أولويات الخطاب الرسمي والواقع المعيشي اليومي للمواطنين.
وتكتسب هذه القضية أبعاداً إضافية بالنظر إلى السياق الحقوقي والسياسي الذي تمر به البلاد. فالمساعي الرامية لتلميع صورة الجزائر دولياً عبر وكالات أجنبية تتزامن مع موجة من الانتقادات التي توجهها منظمات دولية بشأن تراجع حاد في حريات التعبير والتضييق الممارس على العمل الصحفي والحقوقي والسياسي. وقد طفت هذه الانتقادات على السطح مجدداً إثر الجدل الأخير الذي رافق تصريحات لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، حول قضية احتجاز صحفي فرنسي في الجزائر، وما تبعها من مطالبات دولية بالإفراج عنه.
ويشير مراقبون للشأن المغاربي إلى أن الاعتماد على حملات العلاقات العامة الخارجية، مهما بلغ حجم الإنفاق عليها، لا يمكن أن يشكل غطاءً فعالاً للأزمات الداخلية أو بديلاً عن إجراء إصلاحات هيكلية حقيقية. ويبقى النقاش مفتوحاً في الأوساط المتابعة للشأن الجزائري حول آليات الرقابة على هذه النفقات، وما إذا كانت السمعة الدولية للدول تُبنى حقاً عبر واجهات دعائية مكلفة، أم من خلال تعزيز الثقة الداخلية واحترام حقوق الإنسان وترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة.
