حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

في تصعيد خطير يُميط اللثام عن فصول دموية من حرب “تكسير العظام” الدائرة في العتمة، اهتزت أروقة المؤسسة العسكرية الجزائرية على وقع عملية تصفية جسدية مكتملة الأركان، استهدفت العقيد في الجيش الجزائري، الحاج لعطاطفة. لم تكن جثته الهامدة، التي عُثر عليها داخل سيارته العسكرية من طراز “هامر”، سوى رسالة مشفرة مكتوبة بالدم، تعكس حجم التطاحن الشرس بين أجنحة السلطة المتصارعة في دهاليز الثكنات.

وتتخذ هذه الحادثة، التي تحمل بوضوح بصمات “الاغتيال المدبر” وأسلوب التصفية الممنهجة، أبعاداً بالغة الخطورة بالنظر إلى توقيتها المريب؛ إذ جاءت مباشرة إثر عودة الضابط البارز من مهمة استطلاعية فائقة الحساسية في منطقة “غار جبيلات” بإقليم تندوف. وهو ما يفتح باب التساؤلات المكتومة على مصراعيه: ما هي الأسرار الأمنية التي اطلع عليها العقيد؟ وأي خطوط حمراء تجاوزها ليُتخذ بحقه قرار “الإعدام الميداني” من قِبل دوائر النفوذ المتناحرة؟

وفي محاولة مكشوفة لطمس معالم الجريمة ودفن الحقيقة مع الضحية، سارعت السلطات الجزائرية إلى إسدال ستار من التعتيم المطبق على الحادثة، وفرضت “صمت القبور” على مجرياتها. وقد تجلى هذا التوجه في الرفض القاطع والمريب لمناشدات عائلة العقيد لعطاطفة، التي طالبت بحقها البديهي في إخضاع جثمانه لتشريح طبي مستقل وفتح تحقيق نزيه. إن هذا الرفض الرسمي لا يُقرأ إلا في سياق واحد: تواطؤ مفضوح ومحاولة يائسة من جناح متنفذ داخل الجيش لإغلاق الملف بأسرع وقت ممكن، والتغطية على جريمة نُفذت باحترافية عالية لضمان إسكات الضابط وإلى الأبد.

ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، عزل هذا الاغتيال الميداني عن سياق “حرب الأجنحة” المستعرة، وتصفية الحسابات التي تدور رحاها بلا هوادة في كواليس القيادة العسكرية الجزائرية. فالغياب التام لأي توضيح مؤسساتي حول مقتل ضابط سامٍ أثناء تأدية واجبه، يرسخ القناعة بأن دماء الحاج لعطاطفة ليست سوى وقود جديد في محرقة التصفيات المتبادلة بين كبار الجنرالات.

إنها حادثة تتجاوز مجرد كونها جريمة قتل غامضة، لتشكل فضيحة مدوية تكشف بوضوح عن تصدعات عميقة وحالة من انعدام الوزن تضرب في صميم المؤسسة العسكرية، التي باتت أجنحتها تنهش بعضها البعض في صراع مفتوح وعبثي على كعكة السلطة والنفوذ.