شريط الاخبار

ليس مجرد بنك.. كيف يمول القرض الفلاحي “حرب المغرب” ضد التغيرات المناخية وندرة المياه؟

القسم الاقتصادي / مكناس

في خضم التحديات المناخية غير المسبوقة التي يشهدها العالم والمملكة، يتأكد يوماً بعد يوم أن المعركة الحقيقية لضمان السيادة الغذائية تُحسم في ميدان التمويل والتوجيه الاستراتيجي. الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة بمكناس (SIAM 2026)، لم تكن مجرد موعد اعتيادي لعرض المنتجات الزراعية، بل شكلت منصة حية أثبت من خلالها القرض الفلاحي للمغرب (CAM) أنه انتقل بشكل فعلي من دور الممول الكلاسيكي إلى “مهندس” استراتيجي للأمن المائي والغذائي للمملكة.

مكناس – داخل أروقة المعرض الدولي للفلاحة، تغيرت لغة الأرقام. لم يعد النقاش يقتصر على تمويل اقتناء البذور أو الجرارات، بل تحول إلى لغة جديدة مفرداتها: الإجهاد المائي، النجاعة الطاقية، والزراعة الدقيقة المستدامة. في قلب هذا التحول الجذري، يقف القرض الفلاحي للمغرب، ليس كشباك بنكي تقليدي، بل كغرفة عمليات استراتيجية تمول “حرباً” حقيقية يخوضها المغرب ضد التغيرات المناخية.

من تمويل “المحاصيل” إلى هندسة “الاستدامة”

لسنوات طويلة، كان التمويل الفلاحي في المغرب يرتبط بشكل وثيق بالدورة الزراعية الكلاسيكية. لكن توالي سنوات الجفاف وشح التساقطات فرض واقعاً جديداً على المنظومة بأكملها. لقد أدركت مجموعة القرض الفلاحي أن الاستمرار في المقاربة الكلاسيكية لم يعد مجدياً، فانتقلت بمرونة نحو ما يمكن تسميته صحفياً واقتصادياً بـ “هندسة البقاء والاستدامة”.

اليوم، تحولت المحفظة التمويلية للبنك بشكل ملموس لدعم مشاريع البنية التحتية الفلاحية، وعلى رأسها أنظمة الري الموضعي (الري بالتنقيط) لترشيد كل قطرة ماء، تماشياً مع التوجهات الملكية الصارمة لحماية الموارد المائية. كما شملت التمويلات دعم الطاقة الشمسية في الضيعات عبر أنظمة الضخ المستدامة لخفض تكلفة الإنتاج وتقليل البصمة الكربونية، وصولاً إلى مواكبة كبار المستثمرين والتعاونيات في مشاريع رائدة لتحلية المياه واستغلال المياه العادمة المعالجة لتوفير بدائل حقيقية لمياه السدود.

وفي هذا الصدد، أسرّ خبير في الاقتصاد الزراعي لجريدتنا من داخل أروقة “سيام 2026” قائلاً: *”لم يعد التمويل الفلاحي ترفاً لتوسيع الأرباح، بل أصبح تدخلاً عاجلاً لإنقاذ المنظومة البيئية والزراعية. القرض الفلاحي اليوم يمول صمود الفلاح المغربي وبقاءه في أرضه”*.

أروقة “سيام 2026”.. مشتل للحلول الخضراء

بجولة ميدانية استقصائية داخل الفضاءات المخصصة للقرض الفلاحي في المعرض الحالي، يلاحظ الزائر أن الطاقم البنكي والمستشارين التقنيين تحولوا إلى ما يشبه “المرشدين الزراعيين والبيئيين”. فقد تركزت الغالبية الساحقة من الاستشارات المفتوحة مع الفلاحين حول سبل إنقاذ المواسم الفلاحية المهددة، وآليات إعادة هيكلة الديون بمرونة تضمن للفلاح المتضرر من الجفاف الاستمرار، وتمنحه القدرة على الاستثمار في حلول مستدامة.

لقد أثبت البنك أنه يتنفس نبض الأرض المجهدة، حيث خصص شباكاً خاصاً بـ “التمويل الأخضر”، يهدف إلى توجيه الرأسمال مباشرة نحو التقنيات التي تحمي السيادة الغذائية وتوفر مناعة استباقية ضد الصدمات المناخية المباغتة.

السيادة الغذائية.. بوصلة القيادة الحالية

لا يمكن قراءة هذا التحول العميق بمعزل عن الرؤية الاستراتيجية التي أرساها السيد محمد فكرات منذ توليه رئاسة الإدارة الجماعية للمجموعة. بخبرته المتراكمة كمهندس واستراتيجي محنك، عمل على مأسسة دور البنك ليكون الذراع المالي الحصري والسريع لتنزيل أهداف استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030”.

وتحت هذه القيادة، تبنى القرض الفلاحي مقاربة استباقية تتأسس على ابتكار منتجات قروض بفوائد تفضيلية وضمانات مرنة للمشاريع ذات الأثر البيئي الإيجابي، مع توجيه التمويلات نحو سلاسل الإنتاج الأساسية (كالزراعات المقاومة للجفاف، وسلاسل الحليب واللحوم) لتقليل ارتهان السوق الوطنية للتقلبات الدولية.

إن المتأمل في مسار القرض الفلاحي للمغرب اليوم، يخرج بحقيقة ساطعة: هذه المؤسسة الوطنية العريقة لم تعد تُقاس بحجم الودائع الكلاسيكية فحسب، بل تُقاس بعدد الهكتارات التي حُميت من التصحر، وحجم الأمتار المكعبة من المياه التي تم ترشيدها، وعدد الأسر القروية التي حافظت على استقرارها. القرض الفلاحي يؤكد، في دورة 2026، أنه الجندي المالي في الخطوط الأمامية لمعركة السيادة الغذائية للمملكة.

 

شارك المقال شارك غرد إرسال