شريط الاخبار

تسلل واضح… حين يتحول التشجيع إلى معركة

د.الياس اعراب
في بطولتنا الانحرافية، عفوا الاحترافية، لا نذهب إلى الملاعب لمشاهدة كرة القدم، بل نذهب لنختبر قدرتنا على النجاة. لم يعد الشغب الجماهيري بكل انواعه حالة استثنائية، بل أصبح بكل أسف جزءًا من مبارياتنا. وكأن المباراة لا يمكن ان تكتمل إلا إذا انتهت بخسائر داخل الملعب وخارجه.
وما حدث في “كلاسيكو” الجيش الملكي والرجاء الرياضي من صراعات وتخريب لم يكن استثناءً بل تأكيدًا لما نحاول إنكاره منذ سنوات.
مباراة كان يفترض أن تكون عرسًا كرويًا، تحولت إلى مرآة تعكس توترًا أعمق من مجرد نتيجة. توتر بين جمهور الدار البيضاء والرباط. كأن البعض لم يعد يفرّق بين الانتماء للفريق والانتماء للفوضى.
الجمهور، الذي يعد روح اللعبة، أصبح عبئها الأكبر. يهتف بحماس في الدقيقة الأولى ويتحول إلى رجل عصابات بين الشوطين وقاضٍ وجلاد في الدقيقة التسعين.
المشكلة ليست دائما في الخسارة، فالهزيمة جزء من الرياضة. بكل انواعها. المشكلة أن المشجع المتعصب لا يخسر بكرامة بل يرفض الخسارة أصلًا. ويعتبرها إهانة شخصية، ويرد عليها كما لو أنه في ساحة حرب لا في ملعب. (كيفاش الكازاوي يربح الرباطي والعكس).
بعد هذه الأحداث، خرجت علينا العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية ببلاغ وقرار يقضي بمنع تنقل الجماهير في باقي المباريات. قرار يبدو، في ظاهره، حازمًا، لكنه في جوهره، اعتراف ضمني بأننا نبحث عن الحل الأسهل. نمنع الجماهير، فنهدأ مؤقتًا.
لكن، هل اختفى المشكل؟
أم أننا فقط… أجلناه؟
منع التنقل يشبه إطفاء إنذار الحريق، بدل إخماد النار. يمنحنا شعورًا زائفًا بالسيطرة،
بينما الأسباب الحقيقية للشغب ما زالت تتغذى في الخلفية: خطاب متشنج، احتقان اجتماعي، غياب تأطير، وفهم مشوه لثقافة الالتراس يرى في العنف تعبيرًا مشروعًا عن الانتماء.
ولأن الحكاية لا تبدأ في المدرجات فقط، بل في صفحات التواصل الاجتماعي والاذاعات الخاصة، فالإعلام الرياضي ليس بريئًا دائمًا. بعض المنابر لا تنقل الحدث، بل تعيد إخراجه بجرعة أعلى من التوتر.
نُجمّل العنف بعبارات مخففة، ونختبئ خلف صيغ تُخفي أكثر مما تكشف: “بعض الجماهير المحسوبة على…”، “جماهير معروفة بأخلاقها، وما حدث مجرد حادث عابر”.
بهذه اللغة، لا نفسّر الشغب، بل نُبرّره. لا نحل المشكلة، بل نمنحها مخرجًا لغويًا أنيقًا.
حان الوقت للتخلي عن هذه الأقنعة. إن كان هناك عنف، فليُسمَّ باسمه، لأن أخطر ما في الشغب ليس ما يحدث في لحظة غضب، بل ما يُقال عنه بعد ذلك، حين يتحول التبرير إلى عادة، والتخفيف إلى تطبيع، والصمت إلى شراكة غير معلنة. بل حان الوقت ايضا ليتخلى بعض الصحفيين عن انتمائهم في تحليلهم للإحداث والمباريات. فالإعلام الذي يخاف تسمية الأشياء بأسمائها، لا يهدّئ الشارع، بل يعلّمه كيف يغضب بأدب.
هذا الجمهور الذي نطالب به حين نحتاجه لملء المدرجات، نخاف ردة فعله حين يتصرف كما ربّيناه، لا كما نتمنى. الشغب الجماهيري لا يولد في المدرجات فقط، بل يُصنع قبل ذلك:
في طريقة حديثنا عن الفوز والخسارة، في إعلام يُؤجج، وخطاب يُبرر، وصمتٍ يُشرعن.
نُعلّم أبناءنا أن الرياضة أخلاق قبل أن تكون نتائج، ثم نصطحبهم إلى واقع يثبت العكس تمامًا.
الحقيقة التي لا نحب سماعها: الحل لا يكمن في المنع فقط، بل في إعادة بناء العلاقة
بين الجمهور واللعبة.
نحتاج إلى تأطير،
إلى تربية رياضية حقيقية،
إلى محاسبة عادلة لا انتقائية،
وإلى شجاعة الاعتراف
بأن المشكلة ليست في ‘البعض”…
بل في المناخ كله.
لأننا إن استمررنا في معالجة النتائج فقط، سنفاجأ في كل مرة بنفس البداية.
وفي انتظار ذلك، ستظل بعض المباريات تُلعب على أرضية الملعب، وأخرى في مدرجات لم تتعلم بعد معنى التشجيع. وسيظل الشغب متسللا الى ملاعبنا دون رفع الراية في وجهه.
تسلل واضح… لأن ما يحدث ليس بريئًا.

شارك المقال شارك غرد إرسال