شريط الاخبار

بين التنظيم والاستقلالية: قراءة في مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة

عبد الحق الدرمامي

صادق مجلس النواب المغربي ليلة أمس الاثنين 4 ماي على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في خطوة تأتي ضمن سياق متوتر ومشحون بالنقاشات داخل الوسط الإعلامي والحقوقي. ورغم تقديم المشروع باعتباره محاولة لتصحيح اختلالات سابقة وملاءمة النص مع المقتضيات الدستورية، فإن الجدل الذي رافقه يكشف عن إشكال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيم الذاتي للصحافة.

من حيث الشكل، حمل المشروع تعديلات واضحة على مستوى تركيبة المجلس، حيث تم تقليص عدد أعضائه وإعادة توزيع تمثيلية مكوناته. ويُفترض أن يعكس هذا التعديل توازناً أفضل بين الصحافيين والناشرين والشخصيات المستقلة، غير أن هذا “التوازن” يطرح تساؤلات حول معاييره الفعلية، ومدى قدرته على ضمان تمثيلية حقيقية لمختلف تعبيرات الحقل الإعلامي، خاصة في ظل التحولات الرقمية وتعدد الفاعلين الجدد.

أما من حيث المضمون، فقد جاء المشروع استجابة لقرار المحكمة الدستورية التي سبق أن أسقطت بعض مقتضيات القانون السابق، وهو ما منح النص الحالي مشروعية قانونية أقوى. غير أن الشرعية الدستورية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان القبول المهني والمجتمعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بهيئة يُفترض أن تجسد مبدأ التنظيم الذاتي، لا أن تُعيد إنتاج منطق الوصاية بشكل غير مباشر.

في العمق، يطرح هذا القانون سؤال الاستقلالية: إلى أي حد يمكن للمجلس أن يمارس صلاحياته بحرية، بعيداً عن أي تأثيرات سياسية أو إدارية؟ فالتنظيم الذاتي، في جوهره، يقوم على ثقة المهنيين في مؤسساتهم، وعلى قدرتهم على تدبير شؤونهم وفق قواعد أخلاقية ومهنية متوافق عليها. وأي خلل في هذه الثقة، سواء بسبب طريقة التعيين أو طبيعة التمثيلية، قد يفرغ الفكرة من مضمونها.

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن السياق العام الذي تعيشه الصحافة المغربية، حيث تتقاطع التحديات الاقتصادية مع التحولات التكنولوجية، في ظل تراجع نموذج الصحافة التقليدية وصعود الإعلام الرقمي. في مثل هذا السياق، يصبح المجلس الوطني للصحافة أكثر من مجرد هيئة تأديبية أو تنظيمية؛ إنه رافعة محتملة لإعادة بناء الثقة في الإعلام، أو على العكس، قد يتحول إلى نقطة توتر إضافية إذا لم يحظَ بالإجماع الضروري.

لقد كشفت طريقة المصادقة على المشروع داخل مجلس النواب المغربي، وما رافقها من انقسام، عن غياب توافق واسع حول هذا الإصلاح. وهو معطى لا يمكن تجاهله، لأن قوانين من هذا النوع لا تُقاس فقط بعدد الأصوات التي تمررها، بل بمدى قدرتها على خلق أرضية مشتركة بين مختلف الفاعلين.

في النهاية، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في النص القانوني وحده، بل في كيفية تنزيله على أرض الواقع. فإما أن يشكل هذا القانون خطوة نحو ترسيخ تنظيم ذاتي فعلي ومستقل، يعزز حرية الصحافة ويصون أخلاقياتها، وإما أن يظل مجرد إعادة ترتيب مؤسساتي لا يلامس جوهر الإشكال.

وبين هذين الاحتمالين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام إصلاح حقيقي، أم أمام فرصة ضائعة جديدة في مسار بناء إعلام مهني مستقل .

شارك المقال شارك غرد إرسال