لم يعد حضور الأمن المغربي في المحافل الدولية مجرد امتداد للعلاقات الثنائية التي تربط المملكة بعدد من الدول، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة جزءاً من شبكة أوسع للتعاون الأمني تتقاطع فيها ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والجريمة الإلكترونية وتأمين التظاهرات الكبرى.
وفي قلب هذا التحول يبرز عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، الذي ارتبط اسمه منذ سنوات بمسار تحديث المنظومة الأمنية المغربية وتوسيع قنوات التنسيق مع أجهزة الشرطة والاستخبارات في عدد متزايد من الدول.
ولا يستمد هذا الحضور دلالته من كثرة اللقاءات والزيارات فقط، وإنما من طبيعة الملفات التي أصبح المغرب طرفاً فيها، ومن حجم الثقة التي باتت تحظى بها أجهزته الأمنية لدى شركاء أوروبيين وأفارقة وعرب ودوليين.
من الأمن الداخلي إلى الشراكة الدولية
منذ تولي حموشي مسؤولية المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني سنة 2005، ثم تعيينه مديراً عاماً للأمن الوطني سنة 2015، أصبح على رأس مؤسستين محوريتين في منظومة الأمن الداخلي المغربي.
ويمنح الجمع بين المسؤوليتين إمكانية أكبر لربط العمل الاستخباراتي بالمجهود الشرطي الميداني، خصوصاً في مواجهة تهديدات باتت أكثر تعقيداً، حيث تتداخل شبكات الإرهاب مع الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع والتمويلات المشبوهة والجرائم الرقمية.
هذا التطور رافقه انتقال تدريجي من منطق التدخل بعد وقوع الجريمة إلى تعزيز المقاربة الاستباقية القائمة على جمع المعلومات وتحليلها وتبادلها، ثم تحويلها إلى عمليات ميدانية وتحقيقات أمنية.
ولعل الحصيلة السنوية للمديرية العامة للأمن الوطني تقدم مؤشرات واضحة على اتساع نطاق هذه المقاربة.
فخلال سنة 2025، عالجت المصالح الأمنية نحو 779 ألف قضية جنائية، مع بلوغ معدل كشف الجرائم 95 في المائة، بالتزامن مع تسجيل تراجع في الجرائم العنيفة بنسبة 10 في المائة.
كما عالجت المصالح المختصة 633 قضية مرتبطة بغسل الأموال، ونفذت أوامر بتجميد الممتلكات في 398 ملفاً، فيما تجاوزت قيمة الممتلكات والعائدات الإجرامية المحجوزة 660 مليون درهم.
وتكشف هذه المعطيات أن العمل الأمني لم يعد ينحصر في توقيف المشتبه فيهم، وإنما امتد إلى تفكيك البنيات الإجرامية وتجفيف مواردها المالية وتتبع العائدات الناتجة عن الأنشطة غير المشروعة.
المعلومة.. جوهر المقاربة الأمنية المغربية
في ملفات الإرهاب على وجه الخصوص، لا تقاس فعالية الأجهزة الأمنية فقط بعدد العمليات التي تنفذها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المعلومة قبل تحول التهديد إلى اعتداء فعلي.
وهنا تتقاطع مهام المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني مع عمل المديرية العامة للأمن الوطني، بما يسمح بتحويل المعطيات الاستخباراتية إلى تدخلات ميدانية وتوقيفات وتحقيقات قضائية.
هذه المقاربة جعلت المعلومة الأمنية المغربية عنصراً حاضراً في عدد من الملفات ذات الامتداد الدولي، خصوصاً تلك المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والشبكات التي تنشط عبر الحدود.
وخلال شتنبر 2025، شكلت مباحثات الحموشي مع المديرة العامة للأمن الداخلي الفرنسي في الرباط مناسبة لتأكيد أهمية تطوير التعاون العملياتي بين الأجهزة المغربية والفرنسية، في ظل تحديات أمنية مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية.
فرنسا وإسبانيا.. شراكات مبنية على تبادل المعلومات
تقدم العلاقات الأمنية المغربية الفرنسية أحد أبرز النماذج على التحول الذي عرفه التعاون بين الرباط وشركائها الأوروبيين.
فالتنسيق بين الأجهزة لم يعد يقتصر على اللقاءات الرسمية وتوقيع اتفاقيات التعاون، بل أصبح يشمل تبادل المعلومات والتنسيق العملياتي في ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات المرتبطة بمناطق التوتر، ولا سيما منطقة الساحل والصحراء.
وتبرز إسبانيا بدورها باعتبارها شريكاً أمنياً ذا أهمية خاصة بحكم القرب الجغرافي وتشابك التحديات المرتبطة بالإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.
وفي نونبر 2025، جرى في مدريد تكريم عبد اللطيف حموشي بمنحه الصليب الأكبر للاستحقاق للحرس المدني الإسباني، وهو من أرفع الأوسمة التي تمنحها هذه المؤسسة الأمنية لشخصيات أجنبية، في خطوة عكست مستوى التعاون الذي تطور بين الأجهزة المغربية والإسبانية.
وبالنسبة إلى الرباط، لا تحمل هذه التكريمات قيمة رمزية فقط، بل تعكس أيضاً طبيعة العلاقات التي أصبحت تقوم على التعاون المباشر وتبادل المعلومات والخبرات.
مراكش.. المغرب في قلب منظومة الإنتربول
إذا كانت العلاقات الثنائية تكشف جانباً من الحضور الأمني المغربي، فإن احتضان مراكش للدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول» قدم صورة أوسع عن هذا الحضور.
فبين 24 و27 نونبر 2025، اجتمع في المدينة الحمراء أكثر من 800 مندوب يمثلون 179 دولة، بينهم 82 رئيس جهاز شرطة، في واحد من أكبر المواعيد السنوية للتعاون الشرطي الدولي.
وتكتسب الجمعية العامة أهمية خاصة باعتبارها أعلى هيئة حاكمة في الإنتربول، حيث تلتقي أجهزة إنفاذ القانون من مختلف الدول لمناقشة قضايا التعاون الدولي ومواجهة الجريمة العابرة للحدود.
وكان اختيار المغرب لاحتضان هذا الموعد الأمني الدولي مؤشراً على قدرته التنظيمية والمؤسساتية، لكنه حمل أيضاً دلالة مرتبطة بمكانة الأجهزة الأمنية المغربية داخل منظومة التعاون الشرطي العالمي.
وخلال الدورة نفسها، وُشح عبد اللطيف حموشي بوسام الإنتربول من الطبقة العليا، في اعتراف بجهوده في دعم التعاون الدولي وتعزيز التنسيق الأمني في مواجهة الجريمة العابرة للحدود.
وهنا تكتسب الخطوة أهمية خاصة، لأن التكريم صدر عن منظمة تجمع أجهزة إنفاذ القانون من مختلف أنحاء العالم، وليس عن جهة أمنية في دولة تربطها بالمغرب علاقة ثنائية فحسب.
من التكريم العربي إلى الاعتراف الأوروبي
قبل ذلك بأشهر، كان اسم حموشي حاضراً في مناسبة أمنية عربية بارزة، بعدما حصل في فبراير 2025 بتونس على وسام الأمير نايف للأمن العربي من الدرجة الأولى، تقديراً لدوره في دعم العمل الأمني العربي المشترك.
وبذلك تزامن خلال سنة واحدة أكثر من مؤشر على الحضور الخارجي للقيادة الأمنية المغربية، بدءاً من التكريم العربي، مروراً بالتعاون الأوروبي، وصولاً إلى وسام الإنتربول.
لكن قراءة هذه المحطات باعتبارها تكريمات شخصية فقط قد تحجب جانباً أساسياً من الصورة؛ إذ إن جزءاً كبيراً من هذا الاعتراف يرتبط بالتطور الذي عرفته المؤسسات الأمنية المغربية وبالقدرة التي أصبحت تمتلكها على بناء شراكات عملية مع نظيراتها الأجنبية.
موسكو.. شراكات خارج الحسابات الجغرافية التقليدية
لا ينحصر التعاون الأمني المغربي في أوروبا أو العالم العربي، وهو ما ظهر أيضاً من خلال مشاركة الحموشي في ماي 2025 بموسكو في الاجتماع الدولي الثالث عشر لكبار ممثلي الأجهزة المكلفة بالقضايا الأمنية، الذي جمع مسؤولين من أكثر من 100 دولة.
وتعكس هذه المشاركة توجهاً يقوم على تنويع الشراكات الأمنية، وفتح قنوات اتصال مع أجهزة تنتمي إلى فضاءات سياسية وجغرافية مختلفة.
وتفرض طبيعة التهديدات الحديثة هذا النوع من الانفتاح، إذ لا يمكن مواجهة الإرهاب أو الجريمة المنظمة أو الاتجار بالبشر أو الهجمات الإلكترونية ضمن تعاون محصور في منطقة جغرافية واحدة.
فالجريمة العابرة للحدود تحتاج بدورها إلى شبكة عابرة للحدود لمواجهتها، وهو ما يجعل تبادل المعلومات وسرعة التنسيق من أهم عناصر القوة في العمل الأمني المعاصر.
إفريقيا.. المغرب يراهن على التعاون الشرطي القاري
إلى جانب الشراكات الثنائية، اتجه المغرب خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز حضوره في التعاون الأمني الإفريقي.
ومن أبرز مظاهر هذا التوجه إنشاء مركز للتعاون الشرطي الإفريقي، الذي اضطلع بدور في مواكبة كأس أمم إفريقيا 2025، بمشاركة ممثلين عن أجهزة أمنية للدول المشاركة، إلى جانب الإنتربول والفيفا والكاف وشركاء دوليين.
ولا تتوقف أهمية هذه التجربة عند حدود تأمين بطولة رياضية، إذ تقدم نموذجاً للتعاون الشرطي القاري القائم على تبادل المعلومات وتنسيق العمليات ومواكبة حركة الجماهير والتعامل مع المخاطر التي يمكن أن تنتقل بين أكثر من دولة.
وقد شكلت كأس أمم إفريقيا اختباراً حقيقياً لقدرة المغرب على إدارة منظومة أمنية ضخمة ترافق حدثاً يستقطب جماهير ووفوداً من دول متعددة.
واعتمدت المنظومة الأمنية على مراكز للقيادة والتنسيق، وكاميرات للمراقبة، ومصالح شرطية داخل الملاعب، وتعزيز مراقبة الحدود، فضلاً عن التنسيق مع أجهزة أمنية أجنبية ومنظمات دولية ورياضية.
التكنولوجيا تعيد تعريف وظيفة الشرطة
لم تعد قوة الأجهزة الأمنية تقاس فقط بحجم الموارد البشرية أو الانتشار الميداني، بعدما أصبحت التكنولوجيا والمعلومة والبيانات عناصر أساسية في صناعة القرار الأمني.
وفي المغرب، رافق تحديث المديرية العامة للأمن الوطني توسع في استخدام التقنيات الحديثة وتطوير الشرطة العلمية والتقنية وتعزيز آليات التصدي للجريمة الإلكترونية.
كما انخرطت المديرية في مشاريع مرتبطة بالتحول الرقمي للدولة، من بينها اتفاقية إطار وقعتها في ماي 2025 مع وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بهدف تطوير الحكومة الإلكترونية وتوسيع الاستفادة من الوظائف الرقمية المرتبطة بالجيل الجديد من البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية.
ويكشف هذا المسار عن تحول أوسع في مفهوم الأمن، بعدما أصبح المجال الرقمي جزءاً من البنية الأساسية التي تتحرك داخلها الدولة والمواطن والمؤسسات.
الجريمة الإلكترونية.. الحدود تختفي
في الوقت الذي كانت فيه الشرطة التقليدية تلاحق الجريمة داخل المجال الجغرافي للدولة، أصبحت الأجهزة الأمنية اليوم أمام جرائم قد تبدأ في بلد وتنفذ عبر منصات موجودة في بلد آخر، بينما توجد عائداتها أو ضحاياها في دولة ثالثة.
وهذا الواقع يفرض تعاوناً سريعاً بين الأجهزة، خصوصاً في ما يتعلق بتتبع الأدلة الرقمية والأموال والحسابات والشبكات الإلكترونية.
ومن هنا تكتسب شبكة التعاون الدولي التي راكمتها المديرية العامة للأمن الوطني أهمية عملية، لأنها تمنح التحقيقات قدرة أكبر على تجاوز الحدود القانونية والجغرافية التي قد تعيق ملاحقة الجريمة الحديثة.
عندما يصبح المغرب مصدراً للخبرة
من أبرز التحولات التي عرفها موقع المغرب الأمني أن المملكة لم تعد تظهر فقط باعتبارها طرفاً يستفيد من الخبرات الأجنبية، بل أصبحت تجربتها نفسها موضوعاً للتعاون وتبادل الخبرات.
ويتجلى ذلك في مجالات التكوين والتعاون العملياتي والشرطة العلمية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والأمن الرياضي والتعامل مع الجرائم الرقمية.
هذا التحول يعكس تطوراً في قدرات المؤسسة الأمنية المغربية، ويجعل الشراكات الدولية أكثر توازناً، بحيث تقوم على تبادل الخبرات والمعلومات وليس على علاقة أحادية الاتجاه.
الحموشي والدبلوماسية الأمنية
بعيداً عن الأضواء السياسية المعتادة، برز خلال السنوات الماضية نمط آخر من التواصل الخارجي يمكن وصفه بالدبلوماسية الأمنية، وهي دبلوماسية تقوم أساساً على المعلومات والتنسيق العملياتي والتكوين وتبادل الخبرات.
وتكشف اللقاءات التي يعقدها الحموشي مع مسؤولي أجهزة الأمن والاستخبارات الأجنبية عن اتساع شبكة العلاقات التي نسجتها المؤسسات الأمنية المغربية، من أوروبا إلى إفريقيا والعالم العربي، وصولاً إلى دول أخرى خارج هذه الدوائر التقليدية.
وتكمن خصوصية هذا النوع من العلاقات في أن جزءاً كبيراً من نتائجه لا يظهر للعلن، لأن نجاح التعاون الأمني قد يكون في بعض الأحيان عملية تم إحباطها قبل أن تتحول إلى قضية أو خبر.
فالمعلومة التي تصل في الوقت المناسب، أو التنسيق الذي يسبق تحرك شبكة إجرامية، أو التعاون الذي يقود إلى توقيف مطلوب دولياً، كلها نتائج يصعب قياسها بالمعايير الإعلامية التقليدية، لكنها تشكل جوهر العمل الأمني الدولي.
التكريمات لا تختزل مسار المؤسسة
يحظى عبد اللطيف حموشي بحضور لافت في المشهد الأمني الدولي، لكن اختزال هذا المسار في شخصه وحده لا يقدم الصورة كاملة.
فالمديرية العامة للأمن الوطني تضم مصالح متخصصة في مجالات متعددة، من الشرطة القضائية والعلمية والتقنية إلى أمن الحدود والأمن الرياضي والجرائم الإلكترونية والتعاون الدولي.
وكلما تطورت هذه المؤسسة وتوسعت قدراتها، ازدادت قدرة قيادتها على بناء شراكات خارجية أكثر عمقاً.
ومن هذه الزاوية، فإن الأوسمة التي حصل عليها حموشي خلال السنوات الأخيرة يمكن قراءتها أيضاً باعتبارها اعترافاً بمسار مؤسساتي أوسع، وبالتحولات التي شهدتها منظومة الأمن المغربية في طريقة اشتغالها وفي طبيعة علاقاتها مع الخارج.
الثقة.. رأس المال الحقيقي في التعاون الأمني
لا تبنى الشراكات الأمنية بالخطابات وحدها، وإنما تتأسس على الثقة التي تتراكم عبر سنوات من تبادل المعلومات ونجاح العمليات المشتركة واحترام قنوات التعاون والقدرة على تقديم المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب.
وحين تستقبل أجهزة أمنية واستخباراتية أجنبية مسؤولين مغاربة بشكل متكرر لمناقشة ملفات حساسة، وحين تحتضن المملكة اجتماعاً دولياً بهذا الحجم مثل الجمعية العامة للإنتربول، ثم يحظى مدير جهازها الأمني بتكريم من المنظمة نفسها، فإن هذه الوقائع تقدم مؤشرات عملية على مستوى الثقة التي راكمها المغرب داخل منظومة التعاون الأمني الدولي.
من مراكش إلى شبكة أمنية عالمية
كانت مراكش خلال الجمعية العامة للإنتربول أكثر من مجرد مدينة احتضنت مؤتمراً دولياً؛ فقد تحولت لأيام إلى نقطة التقاء لمئات المسؤولين الأمنيين الذين يمثلون عشرات الدول.
والأهمية بالنسبة إلى المغرب لم تكن مرتبطة فقط بالقدرة على تنظيم حدث دولي بهذا الحجم، وإنما بكون المملكة أصبحت طرفاً في النقاش العالمي حول مستقبل مكافحة الجريمة والتحديات الأمنية العابرة للحدود.
وفي هذه الصورة، ظهر الحموشي باعتباره مسؤولاً عن مؤسسة أمنية مغربية توجد في صلب هذه الدينامية، وليس مجرد مضيف لوفود أمنية أجنبية.
مؤسسة تتغير مع طبيعة التهديد
عند جمع مختلف هذه المؤشرات، تبرز ملامح منظومة أمنية تتغير بالتوازي مع تغير طبيعة التهديدات.
فإلى جانب العمل الشرطي التقليدي، هناك توسع في استخدام التكنولوجيا، وتطوير للشرطة العلمية، وتشديد على مكافحة الجريمة المالية، واستثمار في الأمن الرياضي، وتعزيز لمواجهة الجريمة الإلكترونية، فضلاً عن حضور متنام في التعاون الدولي.
وفي المقابل، أصبحت الشراكات الخارجية جزءاً من القدرة على مواجهة هذه التحديات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم لا تتوقف عند حدود دولة واحدة.
وهذا ما يفسر اتساع دائرة التعاون المغربي مع أجهزة أمنية أوروبية وإفريقية وعربية ودولية، ويجعل المديرية العامة للأمن الوطني طرفاً في شبكة أمنية تتجاوز بكثير المجال الداخلي.
الحموشي.. عنوان لمرحلة جديدة
لا يوجد تصنيف دولي رسمي يسمح بالقول إن عبد اللطيف حموشي هو «أقوى رجل أمن في العالم»، مثلما لا يمكن اختزال النفوذ الأمني في عدد الأوسمة أو اللقاءات الرسمية.
لكن الوقائع المتراكمة تسمح باستنتاج أكثر دقة: الرجل أصبح أحد أبرز الوجوه التي تمثل التجربة الأمنية المغربية في فضاء التعاون الدولي، مستنداً إلى موقعه على رأس المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وإلى شبكة واسعة من العلاقات التي تربط الأجهزة المغربية بنظيراتها الأجنبية.
ومن وسام الأمير نايف للأمن العربي من الدرجة الأولى، إلى التكريم الإسباني، وصولاً إلى وسام الإنتربول من الطبقة العليا، تتعدد إشارات الاعتراف الخارجي بالدور الذي تلعبه القيادة الأمنية المغربية.
لكن القيمة الأساسية لهذه التكريمات تظل مرتبطة بالمؤسسة التي تقف خلفها، وبالقدرة التي راكمتها خلال سنوات على إنتاج المعلومة وتبادلها وتحويلها إلى إجراءات أمنية.
قوة لا تحتاج دائماً إلى الظهور
في العمل الأمني، لا يقاس النجاح دائماً بما يظهر في الأخبار، بل أحياناً بما لم يحدث.
إحباط مخطط إرهابي قبل تنفيذه، تفكيك شبكة قبل توسعها، تجفيف مصادر تمويل نشاط إجرامي، أو توقيف مطلوب دولياً قبل تمكنه من تغيير مكان اختبائه، كلها نتائج تعكس قيمة العمل الاستباقي حتى وإن لم تظهر تفاصيلها كاملة أمام الرأي العام.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي عرفته المقاربة الأمنية المغربية خلال السنوات الماضية؛ فالمواجهة لم تعد تبدأ بالضرورة عند وقوع الخطر، وإنما تحاول الوصول إليه قبل أن يتحول إلى واقع.
المغرب.. من حماية الداخل إلى المساهمة في صناعة الأمن
تقدم تجربة المديرية العامة للأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة صورة عن مؤسسة تحاول توسيع تعريف وظيفتها من حماية الأمن الداخلي إلى الإسهام في منظومة أوسع لمواجهة المخاطر العابرة للحدود.
ومن مدريد وباريس إلى مراكش وموسكو، ومن التعاون العربي إلى الشراكات الإفريقية، تحولت العلاقات الأمنية المغربية إلى شبكة متعددة الاتجاهات، تقوم على تبادل المعلومات والتكوين والتنسيق العملياتي وتطوير القدرات.
أما عبد اللطيف حموشي، فأصبح أحد أبرز عناوين هذه المرحلة، ليس فقط بسبب موقعه أو التكريمات التي حصل عليها، وإنما باعتباره واجهة لمسار مؤسساتي جعل الأمن المغربي أكثر حضوراً في دوائر التعاون الدولي.
وفي عالم لم تعد فيه الجريمة تعرف الحدود، أصبحت المعلومة الدقيقة وسرعة تبادلها والقدرة على تحويلها إلى تدخل عملي من أهم مقومات القوة الأمنية. ومن هذه الزاوية، يبدو أن المغرب لا يكتفي بتطوير أدوات حماية أمنه الداخلي، بل يسعى إلى ترسيخ موقعه كشريك في صناعة الاستجابة الدولية للتهديدات الجديدة.
ذلك أن التحول الأبرز لا يكمن فقط في عدد الشراكات أو الأوسمة، وإنما في انتقال الأمن المغربي من موقع المستفيد من الخبرة إلى موقع الشريك الذي يملك بدوره ما يقدمه، ومن جهاز ينظر إلى الأمن باعتباره شأناً داخلياً إلى مؤسسة تدرك أن حماية الداخل أصبحت، في كثير من الملفات، تبدأ من التعاون خارج الحدود.

