“لا يزال طعم التراب والبارود عالقاً في حلقي كلما شممت رائحة الإفطار في رمضان.. أنا لست مجرد رقم في سجلات ‘العشرية السوداء’، أنا شاهد عيان على ليلة تحولت فيها دولتنا إلى جلاد، وقرانا إلى مقابر مفتوحة.”
أذكر ذلك اليوم من شهر رمضان عام 1995 وكأنه الأمس. كنا في قريتنا الوادعة بين جبال تيزي وزو والبويرة، ننتظر أذان المغرب لنكسر صيام يوم طويل وشاق. كانت رائحة “الشربة” تنبعث من البيوت الطينية والبسيطة، وكانت الأمهات يجهزن موائد الإفطار لأطفال أنهكهم الجوع والخوف معاً.
وفجأة، وقبل أن يرتفع صوت المؤذن، شق سماءنا زئير المدافع وهدير المروحيات العسكرية. لم يكن أذاناً للصلاة، بل كان إعلاناً للإبادة.
قالوا لنا عبر بياناتهم الرسمية إنهم جاؤوا لتطهير الجبال من “الجماعة الإسلامية المسلحة”، وإنها عملية أمنية ضرورية لاستئصال الإرهاب. لكن ما عشناه في تلك الليلة لم يكن معركة بين جيش ومسلحين؛ بل كان إعداماً جماعياً لقرى بأكملها. وجهت الدبابات والمدافع فوهاتها نحونا، نحو بيوتنا العارية، وبدأت تمطرنا بقذائف عمياء لا تميز بين مسلح مختبئ في مغارة، وبين شيخ راكع، أو طفل يمسك بحبة تمر في انتظار الإفطار.
تحولت قريتنا في لحظات إلى جحيم مستعر. انطفأت فوانيس رمضان لتحل محلها نيران الحرائق التي التهمت الأخضر واليابس. كنت أركض بين الركام، أسمع صرخات جيراني تكتُمها أصوات الانفجارات. رأيت بأم عيني جثثاً ممزقة لأشخاص أعرفهم.. عائلات بأكملها دُفنت حية تحت أنقاض بيوتها التي هُدمت فوق رؤوسهم. لقد طبقوا علينا سياسة “الأرض المحروقة” بحذافيرها، وكأن أرواحنا كانت الثمن الرخيص الذي يجب دفعه في حربهم القذرة.
أتذكر صرخة جارتنا وهي تبحث عن أشلاء أطفالها بين الحطام، بينما كانت طائرات الجيش لا تزال تحلق فوقنا كغربان الموت. تساءلت يومها وأنا أختنق بغبار منازلنا المدمرة: هل يبرر اصطياد ذئب في الغابة حرق الغابة بمن فيها؟ هل عقيدة هذا الجيش هي حمايتنا أم إبادتنا باسم الأمن؟
اليوم، وبعد مرور عقود على تلك المجزرة، يحاولون إجبارنا على النسيان. يتحدثون عن “الوئام المدني” و”المصالحة الوطنية”، ويصدرون قوانين العفو التي غسلت دماءنا من أيدي قتلتنا. لقد منحوا أنفسهم صكوك الغفران، وطووا صفحة جرائمهم، ومنعوا حتى لجان التحقيق من النبش في رماد بيوتنا.
لكنهم واهمون إن ظنوا أن القوانين تمحو الذاكرة. قد يفلتون من محاكم الأرض، وقد تنجح آلتهم الإعلامية في تهميش حكايتنا، لكن جراحنا لا تزال تنزف، وأرواح مئات الأبرياء الذين سقطوا في رمضان 1995 ستظل تطارد كل عسكري أعطى الأمر، وكل جندي ضغط على الزناد. نحن الشهود الجرحى، وسنظل نروي الحكاية حتى لا تُدفن الحقيقة تحت أنقاض النسيان.
