شريط الاخبار

تسلل واضح: المرأة و السياسة… بين شعار التمكين وواقع الاستغلال

الياس اعراب

اهتزت الساحة السياسية بمدينة تيزنيت خلال الأيام الأخيرة على وقع تصريحات خطيرة، بعد أن كشفت قيادية حزبية عن ممارسات مشينة يُقال إنها تطال نساءً يرغبن في ولوج العمل السياسي داخل بعض الهيئات الحزبية التي وصفتها بحزب ” البرتوش”. تصريحات أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية: هل أصبحت المرأة في السياسة فاعلاً حقيقياً في القرار، أم مجرد بطاقة عبور انتخابية تُستعمل عند الحاجة؟
القصة التي خرجت إلى العلن هذه المرة ليست جديدة في جوهرها، حتى وإن بدت صادمة في تفاصيلها. فمنذ سنوات، والحديث يتكرر عن نساء يُدفع بهن إلى الواجهة في الحملات الانتخابية، أو تُفتح لهن أبواب التنظيمات الحزبية بشروط غير مكتوبة، أو يُطلب منهن أداء أدوار لا علاقة لها بالسياسة ولا بالنضال. وكلما خرجت قصة إلى العلن، اكتشفنا أن ما تسلل إلى بعض الممارسات السياسية ليس فقط منطق الزبونية أو شراء الذمم، بل أحياناً شيء أكثر خطورة: استغلال الجسد بدل استثمار الكفاءة.
كل هذا يحدث في الوقت الذي ترفع فيه الأحزاب شعارات براقة حول المناصفة والتمكين السياسي للمرأة. في المؤتمرات تُرفع الصور، وفي البلاغات تُكتب الكلمات الكبيرة عن المساواة والعدالة، لكن حين يصل الأمر إلى مواقع القرار الحقيقية، تظل المرأة في كثير من الأحيان حاضرة في الصورة وغائبة في القرار. وكأنها قطعة ديكور سياسي توضع في الواجهة لإكمال المشهد الديمقراطي.
ويبرز في الواجهة أيضاً منطق الريع السياسي المرتبط باستغلال المرأة. فقد أشارت دراسة نشرت سنة 2024 حول الوضعية السياسية للمرأة المغربية إلى أن خُمس البرلمانيات في الانتخابات التشريعية لسنة 2021 تربطهن علاقات أخوة أو بنوة أو زوجية مع قيادات أحزابهن. وهو ما أفرز، كنتيجة مباشرة، طبقة نسائية سياسية ضعيفة دخلت المؤسسة التمثيلية بإمكانيات محدودة التأثير والفعالية.
الحقيقة أن استغلال المرأة في السياسة لا يقتصر فقط على ما قد يُحكى عن ممارسات أخلاقية منحرفة، أو عن استفادة زوجات وبنات السياسيين من مواقع النفوذ، بل يتخذ أحياناً أشكالاً أكثر نعومة: توظيفها في اللوائح الانتخابية لسد الفراغ القانوني، أو تقديمها في الواجهة بينما القرارات تُتخذ في غرف مغلقة يسيطر عليها الرجال، أو استدعاؤها في الحملات الانتخابية ثم اختفاؤها فور إعلان النتائج. وهو ما يتضح بوضوح في عدد من المجالس الجماعية القروية، حيث لا يعرف كثير من السكان حتى أسماء العضوات اللواتي يظهرن فقط يوم انتخاب الرئيس.
إنها إذن مشاركة موسمية تشبه إلى حد كبير ظهور بعض السياسيين في الدواوير أيام الانتخابات فقط.
وبالعودة إلى ما كشفته غزلان حموش، القيادية بالحزب المغربي الحر، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل نحن أمام شجاعة لكشف ممارسات ظلت طي الكتمان لسنوات، أم أمام فصل جديد من فصول الصراع السياسي المبكر؟ فالمشهد السياسي في المغرب، كما في غيره، يعرف أحياناً كيف يستعمل قضايا نبيلة مثل الدفاع عن حقوق المرأة كسلاح في معارك انتخابية. وهنا تختلط النوايا، ويصعب على الرأي العام أن يميز بين من يدافع عن قضية عادلة ومن يستثمرها سياسياً.
لكن مهما كانت الخلفيات، فإن مجرد تداول مثل هذه الاتهامات يسلط الضوء على مشكلة أعمق: هشاشة الثقافة السياسية داخل بعض التنظيمات، حيث ما زالت المرأة تُعامل أحياناً كاستثناء، لا كجزء طبيعي من الحياة السياسية. فلو كانت المساواة حقيقية، لما تحولت مشاركة المرأة إلى موضوع للنقاش كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، ولما عاد الحديث كل مرة عن “الكوطا” واللائحة النسوية.
ربما حان الوقت لطرح السؤال بصراحة: هل نريد نساءً في السياسة لأن القانون يفرض ذلك، أم لأن المجتمع يحتاج فعلاً إلى مشاركتهن؟ الفرق بين الجوابين كبير. ففي الحالة الأولى، تصبح المرأة مجرد رقم في لائحة انتخابية. أما في الحالة الثانية، فتصبح شريكاً حقيقياً في صنع القرار.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول صحة الاتهامات أو خلفياتها، وقد تتدخل السياسة لتفسير كل شيء بطريقتها المعتادة. لكن شيئاً واحداً يبقى واضحاً: لو قررت النساء اللواتي مررن بتجارب مشابهة أن يتحدثن بصراحة عمّا يجري خلف الكواليس كما فعل ضحايا الصحفي المشهور، فقد نكتشف أن المشهد السياسي أكثر هشاشة مما يبدو على المنصات والخطب.
وحينها فقط سنفهم أن بعض السياسيين الذين يظهرون في الصورة كمدافعين عن المناصفة والتمكين، كانوا في الواقع يمارسون لعبة أخرى تماماً… لعبة لا علاقة لها لا بالسياسة ولا بالنضال.
ولو حدث ذلك يوماً، فقد لا نحتاج إلى تحقيقات طويلة لمعرفة الحقيقة؛ لأن كثيرين سيسقطون ببساطة في تسلل واضح… تسلل عنوانه استغلال النفوذ بدل خدمة الصالح العام.

شارك المقال شارك غرد إرسال