شريط الاخبار

تسلل واضح: حين يتحول النقد إلى حقد

د.الياس اعراب

خلال وبعد نهاية كأس إفريقيا للأمم التي احتضنتها بلادنا، برز نقاش مهم جداً في الساحة الإعلامية الوطنية حول قوة الإعلام الرياضي المغربي وقدرته على مواجهة السردية الخارجية. واتفق كثيرون على أن إعلامنا أخلف الموعد، وظهر ضعيفاً، خاصة في الدفاع عن كل ما هو وطني.

جانب من هذا الضعف ترجمه ما يعرف بالنقاد والمحللين الرياضيين الذين يؤثثون فضاء البرامج الرياضية، ولعل أبرز هؤلاء الناقد محمد الماغودي، الذي أسّس مهنة جديدة حسب وصفه في اخر خرجة اعلامية اسمها” المناضل الرياضي” ليبرر هجومه المتكرر على الناخب الوطني السابق وليد الركراكي، وهو في الحقيقة يؤسس لمدرسة جديدة في النقد الرياضي تتبنى لغة الهجوم على الاخرين ليتحول من “ناقد” إلى “حاقد” بوعي او بدونه. فرقٌ يبدو بسيطاً، لا يتجاوز حرفاً واحداً، لكنه يوضح بجلاء المواقف الحقيقية لاصحاب الاراء من المحللين والنقاد.

واذ نبسط في هذا المقال تجاوزات الماغودي، عرّاب هذه المدرسة الذي وجد في مهاجمة الناخب الوطني السابق وليد الركراكي أسلوباً مُدرّاً لعدد كبير من “اللايكات” واستدعاءات البرامج الرياضية واستلذّ هذا الدور، فاننا نعطي فقط المثال بعدما بدء هذا الاسلوب يغزو الساحة الاعلامية الوطنية وانتقل الكثيرون من تحليل المباريات وأداء اللاعبين وتقديم القراءات التكتيكية، إلى موقف جاهز يُستخرج في كل مناسبة، سواء وُجد مبرر أم لم يوجد.

واحد من فصول هذا المسلسل كان تدخل الماغودي في قناة أجنبية، حين سُئل عن إمكانية تدريب الركراكي للمنتخب السعودي، فاختار أسلوباً متعالياً واستهزائياً لا يليق بمن يقدم نفسه كناقد، وحوّل الاستوديو من فضاء للنقاش إلى ما يشبه قاعة سيرك… بطلها الناقد نفسه.

الماغودي في خرجته هذه صرّح، بطريقة غريبة، أن أخبار الركراكي “لا تعنيه، لا رياضياً ولا شخصياً”، في وقت كان يُفترض فيه أن يُثني على القيمة التي أصبحت عليها المدرسة المغربية في التدريب، خاصة وهو يتحدث في قناة أجنبية، وأن تدريب منتخب بحجم المنتخب السعودي ليس أمراً بسيطاً. وهو ما يوضح أن الأمر لا يتعلق بعدم اهتمام، بل بعقدة اسمها الركراكي.

وكما يحدث كثيراً في هذه “المدرسة الجديدة”، لم تمر سوى أيام حتى عاد الماغودي ليتحدث عن الركراكي من جديد، ناسياً تصريحه السابق، وهذه المرة من بوابة ملف لامين يامال، محاولاً تحميل الإطار الوطني مسؤولية اختيار اللاعب لمنتخب إسبانيا. وهنا لم يعد الأمر مجرد نقد رياضي، بل تحول إلى محاولة دائمة لربط كل ما هو سلبي باسم واحد، حتى وإن كان الربط بلا منطق.

وهذا ما تؤكده عدة مواقف سابقة، من تهنئته للمنتخب السنغالي واعتباره فائزاً “بالنتيجة والأداء”، متجاهلاً سياق الأحداث التي رافقت النهائي، والتي أجمع كثيرون على أنها خرجت عن الإطار الرياضي الطبيعي، إلى رفضه اعتبار الركراكي بطلاً إفريقياً ومحاولة ربط اللقب بجهات أخرى، وكأن مسار بطولة كاملة اختُزل في لحظة واحدة.

التناقض لا يقف هنا. فقد سبق للماغودي أن صرّح، دون تردد، أنه حتى لو فاز الركراكي “بالليل والنهار”، فسيظل يطالب برحيله. تصريح يلخّص كل شيء: حين تصبح النتائج، وهي المعيار الأساسي في كرة القدم، غير كافية لإقناع “الناقد”، فنحن لم نعد أمام نقد، بل أمام موقف مسبق لا يتغير مهما تغيّرت المعطيات. وهنا بالضبط يسقط الخط الفاصل بين النقد والحقد.

الماغودي لم يكتفي عند هذا الحد بل تماداه الى تزوير تاريخ كرة القدم الوطنية فقط من اجل تلطيخ صورة وليد الركراكي. حيث صرح في خرجة اعلامية كلها عصبية ان بادو الزاكي قدم استقالته سنة 2004 عندما خسر مباراة النهائي امام تونس وسمى هذا بالنزاهة الفكرية؛ والحقيقة التي يعرفها كل المغاربة هو ان الزاكي غادر سفينة المنتخب بعد الفشل في التاهل لكاس العالم 2006 بعد التعادل في المباراة الاخيرة امام تونس بهدفين لمثلهما؛ فهل اصيب الماغودي بفقدان الذاكرة ام ان سماع اسم الركراكي فقط يكفيه ليكتب سيناريوهات ضده..

ولكي تكتمل الصورة، يكفي أن نستحضر واقعة أخرى مع الإطار الوطني عبد الرحيم طالب، الذي عبّر عن رأيه في موضوع استدعاء اللاعب عيسى ديوب، ليجد نفسه تحت مقصلة الماغودي، الذي وصفه بالفاشل وغير المؤهل لإبداء رأيه، ما دفعه إلى الخروج للرد عليه. واقعة تُظهر أن “النقد” حين يفقد توازنه، يتحول إلى هجوم شخصي يستدعي الرد، لأن النقد الحقيقي يناقش الأفكار، أما الحقد فيبحث عن الأشخاص

المشكلة في كل هذا ليست في الاختلاف، فالاختلاف صحي وضروري، ولا في النقد، فهو أساس تطور الرياضة. المشكلة حين يتحول النقد إلى موقف ثابت لا يتأثر بالنتائج، ولا يتغير بالوقائع، ولا يخضع لأي منطق سوى الرغبة في المعارضة الدائمة. حينها، يصبح الناقد أشبه بمشجع معكوس: لا يرى في الفوز إلا سبباً للانتقاد، ولا في الخسارة إلا فرصة للتأكيد.

في النهاية، قد يختلف المغاربة حول الركراكي، وقد تتباين الآراء حول اختياراته وأسلوبه، وهذا طبيعي. لكن ما ليس طبيعياً هو أن يتحول النقد إلى عدسة سوداء لا ترى إلا ما يؤكد موقفها، وتتجاهل كل ما سواه.

وختاماً، عزيزي الماغودي، قد تظهر صباح مساء في البرامج الرياضية والقنوات الأجنبية، لكنك لن تكون ناقداً حقيقياً ما لم تتخلص من حرف “الحاء”. ستظل تسقط في تسلل واضح مرة بعد أخرى… لأن بين النون والحاء حرف واحد فقط، لكنه يصنع كل الفرق.

شارك المقال شارك غرد إرسال