شريط الاخبار

أسلحة تذوب في الأيدي وجنرالات يغتالون بعضهم!”.. ضابط منشق يفضح “حرب العشائر” التي أحرقت الجزائر

أمغار الاندلسي

تواصل مذكرات الضابط الجزائري المنشق حبيب سويدية، “الحرب القذرة”، فضح الكواليس المرعبة للعشرية السوداء، كاشفةً هذه المرة كيف تحولت الجزائر إلى مسلخ مفتوح ورقعة شطرنج دموية تديرها “حرب عشائر” طاحنة في أعلى هرم السلطة، حيث أصبحت دماء المدنيين والعسكريين مجرد أوراق تفاوض.

ففي صيف عام 1994، وبينما كان مقتل خمسة دركيين فرنسيين قرب “عين الله” بالعاصمة على يد مجموعة مسلحة تتنكر بزي الشرطة يتصدر الأحداث، كانت البلاد تعيش تناقضاً قاتلاً؛ ففي الوقت الذي أطلق فيه الرئيس اليمين زروال “نداء الرحمة” وألقت مروحيات الجيش مناشير تحث المسلحين على الاستسلام، كانت الأوامر العسكرية الميدانية تتناقض تماماً وتدعو لتكثيف القتل.

لم يكن هذا التخبط سوى انعكاس لصراع نفوذ شرس بين عشيرة الرئيس زروال ومستشاره الجنرال محمد بتشين (الذي عاد للأضواء مؤسساً شركة أمنية تبرم عقوداً بالملايين وتتلقى السلاح من مدير الشرطة العقيد علي تونسي)، وبين عشيرة الجنرالات النافذين: توفيق، العماري، وتواتي.

يكشف سويدية حقيقة صادمة: حرب العشائر في الجزائر لا تُخاض بالسياسة، بل عبر مذابح واغتيالات تُنسب فوراً لـ “الجماعة الإسلامية المسلحة”، حيث لم تتردد مديريات الاستخبارات في توجيه ضربات لبعضها البعض، لدرجة إرسال وحدات أمنية تتنكر بلباس إسلاميين لذبح مدنيين ورجال شرطة وعسكر، بهدف اختراق جماعات حقيقية أو إسقاط مصداقية الطرف الآخر، في تجسيد حرفي لمقولة “الكلاب لا يأكل بعضها بعضاً.. بل تأكل بعضها في الجزائر”.

هذا الصراع السياسي الملطخ بالدم شهد مسرحيات استخباراتية معقدة، فبعد إطلاق سراح قادة “الفيس” (عباسي مدني وعلي بن حاج) ووضعهم تحت الإقامة الجبرية في سبتمبر 1994، نادى مدني بوقف العنف، لكن المخابرات ادعت لاحقاً عثورها على رسالتين من بن حاج في جيب أمير “الجيا” شريف قوسمي (بعد تصفيته في أكتوبر)، يحثه فيهما على تكثيف الإرهاب، لتكون تلك الرسائل المزعومة ذريعة لإعادة بن حاج للسجن ونسف الحوار، وتعبيد الطريق للجنرال محمد العماري الذي رُقي في الأول من نوفمبر لرتبة صُممت خصيصاً له “جنرال فيلق”، ليعلن حرب إبادة شاملة.

وفي خضم هذه التصفيات، تُرك الجنود البسطاء كطُعم في الكمائن؛ ففي أواخر 1994، وتحت ظلام دامس لفّ منطقة الأخضرية لشهر كامل، تُرك 22 جندياً يُذبحون في كمين بـ “بوزقزة” في بودربال، بينما ظل فصيل مشاة آخر وميليشيا “المخفي” على بعد أمتار يراقبون المذبحة دون تدخل، ليرفض بعدها العقيد “شنقريحة” ملاحقة المنفذين! وتوالت المجازر بحق العسكر العزل؛ 11 جندياً من الفوج المدرع 10 في البويرة، 12 جندياً ثملاً ذُبحوا عند خروجهم من ثكنة جباحية، 22 مجنداً في بومرداس، و10 في ثنية الحد، لتبدأ حركة تغييرات شكلية نقلت شنقريحة إلى سيدي بلعباس وجاءت بـ “القاتل” الجنرال شيبان ثم العقيد قدور بن جميل، دون أن يتوقف نزيف الدم.

وفي خضم هذه الفوضى، سقط القناع الأخلاقي عن مؤسسة الجيش، لدرجة أن قدماء المحاربين الذين قاتلوا الاستعمار أصيبوا بالذهول من تطابق الأساليب. يروي سويدية كيف رافقهم المجاهد القديم “عمر حواس” كدليل في قرية “زبربرة”، ليتعرض لمحاولة اغتيال من جيرانه الملثمين التابعين لجماعة “أحمد جبري”.

وبعد نجاة العجوز، أمر العقيد شنقريحة باعتقال الملثمين، ليتم اقتيادهم إلى “الفيلا” وتعذيبهم لثلاثة أيام. الصدمة الكبرى كانت حين جاءت امرأة مسنة تبحث عن زوجها وابنها، لتصرخ في وجه سويدية بأنها متأكدة من وجودهما في هذه الفيلا تحديداً، لأن العساكر الفرنسيين كانوا يحبسون فيها الموقوفين المدنيين ويعذبونهم بنفس الطريقة إبان حرب التحرير. لقد أدرك سويدية بمرارة، وهو يرى العجوز تغادر دون أن ترى عائلتها التي صُفيت، أن جنرالاته استنسخوا حرفياً كتيب الإبادة الكولونيالي الفرنسي ليطبقوه على أبناء جلدتهم.
هذا الاستهتار بأرواح الجزائريين تجلى بأبشع صوره في التمييز الفاضح والقاتل الذي مارسته القيادة في التسليح. ففي الوقت الذي كانت فيه قاذفات “سوخوي 24” الروسية تحرق قرى بأكملها بالنابالم في عين الدفلى وتكسانة إثر فرار سجناء “تازولت”، وتستلم القوات مدرعات “فهد” السعودية ومروحيات “سنجاب” الفرنسية المزودة بكاميرات للرؤية الليلية وحقائب اتصال عبر الأقمار الصناعية لرفاهية الجنرالات، كان يُزج بالجنود النظاميين في الجبال بأسلحة فاسدة.

يفضح سويدية كارثة الرشاشات الرومانية، وفضيحة مصنع الأسلحة المحلي في “سريانة” بخنشلة، الذي أنتج بنادق كلاشنيكوف بخليط معدني رديء، لدرجة أن ماسورة البندقية كانت تذوب بعد نصف ساعة من إطلاق الرصاص ولا يتجاوز مداها الخمسين متراً، مما ترك الجنود عزلاً ليموتوا بالمئات، بينما كدس مسؤولو المصنع الملايين في جيوبهم دون محاسبة.

وأمام هذه الخيانات والزج بهم في حروب ببنادق تذوب في أيديهم، انهارت المؤسسة العسكرية. لم يتسامح الجنرالات الاستئصاليون مع أي صوت يدعو للحوار، ليتم تصفية كبار الضباط المعارضين؛ فالجنرال محمد طواهري مات في تحطم مروحية، والجنرال علي بوتيقان اغتيل بلا حراسة قرب وزارة الدفاع أواخر 1995، والجنرال فوضيل صعيدي لقي حتفه بحادث سير مريب بسيارته “اللانسيا” المصفحة التي تحولت بقدرة قادر إلى كومة حديد. هذا الرعب، مصحوباً بتهديدات صريحة من قائد المنطقة الأولى الجنرال سعيد باي بأن “من لا يسير معنا ينتظره السجن والموت كجبان”، دفع العشرات من الضباط والجنود للفرار نحو الجبال ليس حباً في التطرف، بل هرباً من تحولهم لقتلة.

ومن بين هؤلاء الملازم عبد القادر بوجيلال الذي أصبح “سوبر أمير” يهدد زملاءه عبر اللاسلكي قبل مقتله، ونقيب متفجرات عُذب في البليدة ففر ليصبح صانع قنابل للجماعات، والرقيب علي نجار الذي فر بعد طعنه لضابط، ليلتقي به سويدية لاحقاً في سجن البليدة ساخراً منه: “أترى؟ لقد أصبحنا نحن الاثنان إرهابيين!”. هكذا، وبذكاء شيطاني، استغلت المخابرات هذا النزيف لتنظيم عمليات فرار مزيفة، زرعت من خلالها ضباطها داخل الجماعات المسلحة، لتنفذ أجندات الجنرالات بأيادٍ ملتحية، وتغرق الجزائر في مستنقع دم لا نهاية له.

شارك المقال شارك غرد إرسال