شريط الاخبار

تسلل واضح : وزراء الكذب … ارحموا عقولنا وجيوبنا

د.الياس اعراب

في كل مرة يخرج علينا وزير من هذه الحكومة، سواء في جلسة برلمانية أو في تصريح صحفي، نكتشف أننا لا نعيش في نفس البلد. هم في مغرب… ونحن في مغرب آخر.

مغربهم فيه الخروف بألف درهم، والعمل بأربعمائة درهم في اليوم، والتفاح رخيص جداً.

أما مغربنا نحن، ففيه المواطن يقف أمام الميزان في الأسواق الشعبية كأنه أمام لجنة تحقيق دولية؛ يحذف البطاطس ليحتفظ بالبصل، ويحذف البصل ليشتري نصف كيلوغرام من الطماطم، ويهرب من السمك إلى اللحم، ثم يفكر في الدجاج، ليعود في الأخير إلى البيت ويحاول إقناع أبنائه أن اتباع “نظام الطيبات” مفيد للصحة.

ننتظر من حكومتنا ووزرائها أجوبة لأسئلة المواطنين، فيزيدون من حيرتنا بأجوبتهم العميقة جداً في “التسنطيح”. إنها حكومة لا تكذب فقط، بل تكذب بثقة مذهلة وجبهة عريضة.

وزراؤنا يكذبون على المباشر بثقة شخص يعتقد أن المواطن المغربي يعيش في غيبوبة جماعية، أو أن الأسواق التي يرتادها الوزراء لا علاقة لها بأسواق الشعب. وربما فعلاً الأمر كذلك؛ فهناك “أسواق وزارية” سرية، لا يدخلها إلا أصحاب السيارات السوداء والزجاج المظلل. لكنك لن تجد فيها الخروف ابتداءً من 1000 درهم فقط، بل ستجد الخرفان والملايير التي لهفها “الفراقشية”، كما كشف عن ذلك تحقيق مجلة “ملفات”.

رئيس الحكومة نفسه أصبح حالة سياسية نادرة. الرجل يضيق صدره كلما سمع أن الأسعار قد تنخفض. فلا أحد نسي تلك اللقطة التاريخية في المعرض الدولي للفلاحة، حين تناول تفاحة وقال بكل بساطة: “رخيص”. ومنذ ذلك اليوم، يبدو أن التفاح أخذ كلامه بجدية وقرر الانتقام من المغاربة، فاستقر ثمنه في مستويات لا يقترب منها إلا أصحاب “الصالير المنفوخ”.

وقبل أيام فقط، خرج ليقدم نصيحته الذهبية للكسابة تفادياً لانخفاض الأثمنة، حين خاطبهم مباشرة من قبة البرلمان:

“أيها الكسابة، العيد أمامكم والمواطن وراءكم يقول: خليه يبعّع، فاخرجوا فرادى إلى الأسواق كي لا تسقطوا في الفخ”.

وبعدها خرج علينا الوزير الحسين السعدي ليكشف عن تارودانت جديدة بدوره. فتارودانت التي يعرفها المغاربة مدينة تعاني، مثل غيرها، من البطالة والهشاشة، لكن تارودانت الوزير شيء آخر تماماً؛ مدينة الفرص الذهبية، حيث يمكنك أن تربح 400 درهم في نصف يوم!

نعم، أربعمائة درهم يا سادة، ليس في أسبوع، ولا في شهر، ولا حتى في يوم واحد، بل في نصف يوم.

رقم جعل كثيراً من الشباب يراجعون سيرهم الذاتية، فالدبلومات لم يعد لها معنى في تارودانت الوزير، وربما بعضهم الآن في الطريق إليها بحثاً عن هذه الجنة الأسطورية التي لم يسمع بها أحد سوى السيد الوزير.

وأخيراً، خرج علينا وزير الفلاحة، وقرر أن يطمئن المغاربة أكثر، فأعلن أن أضاحي العيد موجودة بألف درهم. وحين تفاجأ البرلمانيون، خاطبهم قائلاً:

“خرجوا للأسواق… أنا كانخرج للأسواق”.

فيا ترى، هل ستنفع خرائط “غوغل”، والذكاء الاصطناعي، وذاكرة المغاربة، في الكشف عن هذه الأسواق العجيبة التي لا يعرفها إلا الوزير؟

وبهذه المناسبة، وعبر عمودنا “تسلل واضح”، نطالب السيد الوزير ـ بكل احترام ـ بنشر عناوين هذه الأسواق، وإن زاد من اللطف حبة، إرسال “لوكاليزاسيون” للمواطنين. فالمغاربة لا يريدون الكثير، فقط يريدون أن يروا هذا الخروف الأسطوري الذي انقرض منذ سنوات.

هذا جانب بسيط من تصريحات وزراء الحكومة، التي يبدو اليوم أنها لا تتحدث مع الشعب، وإنما تحدث نفسها. فتخلق أرقاماً خاصة بها، وأسواقاً خاصة بها، وحتى واقعاً خاصاً بها.

وصرنا، كمغاربة، نشعر أننا المخطئون حين نحتج على الغلاء، لأننا ببساطة لم نكتشف بعد المغرب السري الذي يعيش فيه وزراء حكومتنا الموقرة.

وختاماً، يبدو أن أكبر مشروع نجحت فيه هذه الحكومة هو توحيد المغاربة، ليس حول تحسين المعيشة، ولا حول الإصلاح، وإنما حول جملة واحدة يرددها الجميع بعد كل خرجة إعلامية:

“هاد الناس… واش عايشين معانا فهاد البلاد؟”

تسلل واضح: ارحموا عقولنا

شارك المقال شارك غرد إرسال