شريط الاخبار

ضابط جزائري منشق: .. هكذا يكسر جنرالات الجزائر ضباطهم الشرفاء في مسلخ “البليدة” العسكري!

أمغار الاندلسي

تأخذنا مذكرات الضابط الجزائري المنشق حبيب سويدية، “الحرب القذرة”، في هذه الحلقة بعيداً عن الجبال والقرى المحترقة، لتدخل بنا إلى أحشاء “الوحش” ذاته؛ حيث تروي قصة سقوطه الشخصي في فخ دبرته القيادة العسكرية لإخراس صوته.

في 27 يونيو 1995، توجه الملازم سويدية إلى محكمة البليدة العسكرية ظاناً أنه استدعي للإدلاء بشهادة روتينية في قضية إرهاب، ليفاجأ بالمدعي العسكري، العقيد بلقاسم بخاري، يجرده من سلاحه ويزج به في السجن بتهمة ملفقة، ومخيطة بخيط أبيض: “السرقة الصريحة” لقطع غيار سيارات! لم تكن التهمة سوى واجهة واهية؛ فالشاهد الوحيد الذي استندت إليه المحكمة كان حارساً يُدعى “تاجر”، وهو والد إرهابي معروف في منطقة الأخضرية، كان سويدية نفسه قد أطلق النار عليه سابقاً. لقد قبل قضاة العسكر بشهادة زور من والد إرهابي—وهو أمر لا يحدث عادة—مقابل التستر على ابنه، والهدف الحقيقي كان إقصاء سويدية وإسكاته بأي ثمن؛ لأنه شهد حالات تعذيب، وعارض الإعدامات الميدانية، ورفض تنفيذ الأوامر القذرة.

لقد تحول، في نظر الجنرال شيبان الذي أمر باعتقاله، إلى شخص “مزعج” يجب طمسه في غياهب السجن لأربع سنوات، ليبقى السؤال الذي يؤرق سويدية: “لماذا لم يقتلوني ببساطة؟!”.
بمجرد إيداعه سجن البليدة العسكري—الذي صُمم مبناه من السماء للسخرية على شكل هلال ونجمة العلم الجزائري—أدرك سويدية أنه دخل “مسلخاً” حقيقياً صُمم لكسر إنسانية الرجال. كان السجن يضم بين 900 و1500 معتقل، يعيشون في ظروف تحاكي العصور الوسطى؛ وجبات لا يقترب منها الحيوان، حلاقة مرة أسبوعياً لخمسة معتقلين بشفرة واحدة، ومنع تام للصلاة. أما الحراس، فكانوا وحوشاً برية يتلذذون بتعذيب السجناء، بإشراف مباشر من مدير السجن “عبد الحق عايسيو” الذي كان يتبجح قائلاً: “أنا إلهكم، أفعل بكم ما أشاء!”.

يروي سويدية كيف عُوقب بالسجن الانفرادي في زنزانة مظلمة ورطبة لمجرد صراخه في وجه قاضي التحقيق بأنه يخجل من ارتداء زي عسكري يحمي الفاسدين، ليتعرض لضرب مبرح بالعصي من الحراس ومدير السجن شخصياً، حتى بات يعرج لأيام. وفي هذا الجحيم، حيث يُخصى الرجال ويُغتصبون ويُقتلون تحت التعذيب—كما حدث للرقيب أول “قرمز” الذي ضُرب حتى الموت لسبب تافه دون أن يحاسب قاتلوه—كانت الإدارة تتعمد تحويل الضباط الشرفاء إلى أشلاء بشرية، لدرجة أن الكثيرين انتحروا بقطع شرايينهم أو ابتلعوا ملاعق، بينما أقسم الناجون على الالتحاق بالجماعات الإسلامية المسلحة بمجرد خروجهم انتقاماً من هذا الظلم.

وراء أسوار البليدة، تتكشف أبشع صور “عدالة الهاتف” وتصفية الحسابات داخل الجيش. فالضباط المرميون هناك ليسوا خونة، بل كباش فداء. يوثق الكتاب قصصاً تدمي القلوب، كحالة الملازم “مولود رواني” الذي حُكم بـ 15 عاماً لأن قائده، الجنرال سعيد باي، أمره بإعدام ستة مقاتلين إسلاميين في الغابة، ولما هرب أحدهم وفضح الأمر، تخلى الجنرال عن ضابطه وادعى أنه تصرف من تلقاء نفسه! وحالة النقيب البحري “ساسي بونوبة” الذي سُجن 3 سنوات بتهمة اختلاس أموال إصلاح غواصات في روسيا، ليكون غطاءً لسرقة ارتكبها كبار الجنرالات.

بل وصل العبث إلى سجن ضباط بأوامر من “سكرتيرات” الجنرالات (كسكرتيرة الجنرال قايد صالح) لتصفية حسابات شخصية عاطفية! وفي الوقت الذي يُحكم فيه على جندي بـ 6 أشهر سجن لسرقة “فخذ دجاجة” ليسد جوعه، يُبرأ النقيب “جمالي” (الذي هرب من كمين تاركاً 21 من رجاله يُذبحون وتاركاً أسلحتهم للإرهابيين) بعد 4 أيام فقط، والسبب؟ أنه يحظى بدعم صديقه النقيب مراد العماري، نجل الجنرال النافذ محمد العماري. في المقابل، يُحكم الملازم “ميلود كحيلا” بـ 4 سنوات لفقده الاتصال اللاسلكي فقط أثناء اشتباك، لتُطرد عائلته من سكنها العسكري، ويموت طفله لعدم قدرة زوجته على علاجه، ولا يعلم بالكارثة إلا بعد خروجه.

في هذه الزنازين الباردة، حيث لا يمر الوقت إلا ببطء قاتل، أدرك سويدية أن المحامين ليسوا سوى “نصابين مرخصين” يبتزون العائلات (كمحاميه خندوقي الذي قبض من والدته 22 ألف دينار دون أن يتدخل في قضيته)، وأن القضاة العسكريين ليسوا سوى بيادق تنفذ أوامر القيادة العليا. وحتى في أيامه الأخيرة قبل الإفراج، دُسَّ في زنزانته شاب غريب الأطوار بشفرة حلاقة حاول طعنه بها في غفلة من الحراس، في محاولة يائسة أخيرة لتصفيته جسدياً. نجا سويدية بأعجوبة، ليخرج من “جواز السفر إلى الجحيم” حاملاً معه وعداً قطعه لزملائه المعذبين في الزنازين: فضح هذا النظام المافيوي الذي يتبجح أمام العالم باحترام حقوق الإنسان، بينما يطحن خيرة أبنائه وضباطه الشرفاء في مسلخ اسمه البليدة.

شارك المقال شارك غرد إرسال