دريبلاج – رصد24
في القاموس الشعبي المغربي، يُطلق مصطلح “الفراقشية” على لصوص الليل المتمرسين، أولئك الذين يتسللون في جنح الظلام لسرقة المواشي من الحظائر، تاركين الفلاح البسيط يضرب كفاً بكف عند طلوع الفجر حزناً على شقاء عمره الذي تبخر. لكن، ومع التطور “البيولوجي” و”الأيديولوجي” الذي شهدته البلاد، برز جيل جديد من “الفراقشية” بياقات بيضاء ولحى مشذبة. هؤلاء لم يعودوا يسرقون الأكباش والعجول، بل انتقلوا إلى سرقة العقول، والأحلام، وحتى جيوب الأتباع الموهومين، وكل هذا تحت يافطة براقة ومقدسة اسمها “العدل” و”الإحسان”.
هؤلاء “الفراقشية” الجدد، الذين يبشرون بـ”القومة” في الصالونات المكيفة والمجالس المخملية، اكتشفوا أن الواقع يهرب من تحت أقدامهم وأن الشعب يدير لهم ظهره. فما كان منهم إلا أن استبدلوا القومة الأرضية بـ”قومة” إلكترونية ممولة بالدولار واليورو. تخيلوا معي حجم السخرية: تنظيم يتباكى ليل نهار بأنه “محظور” ومقمع ومسحوق، وفي ذات الوقت يمتلك إمبراطورية إعلامية ضخمة لا تملكها حتى كبريات الأحزاب الحاكمة! كاميرات بجودة “الـ 4K”، استوديوهات احترافية، وملايين الدراهم تُهدر يومياً على حملات الترويج الممول (السبونسورينغ) عبر فيسبوك ويوتيوب وتيك توك.
من أين لكم هذا يا أصحاب “الخلافة على منهاج النبوة”؟ هل هذه الملايين المتدفقة تأتي فقط من “صينية” التبرعات والإتاوات الشهرية الإجبارية المفروضة على الموظفين والأساتذة والمهندسين الذين غسلتم أدمغتهم؟ أم أن هناك “صنبوراً” سرياً وراء الحدود يدر عليكم أموالاً طائلة لخلق الفتنة وتمرير أجندات تكن العداء السافر للمغرب ومؤسساته؟
الطامة الكبرى هي أن هؤلاء، عندما أدركوا أن المغاربة فطنوا لألاعيبهم، وأن خطابهم الخشبي المليء بالرؤى والمنامات لم يعد “يطعم خبزاً”، أجروا “تحديثاً” (Mise à jour) لبرمجياتهم، ووجهوا بوصلة الاستغلال نحو “جيل زد”. مراهقون صغار، نشأوا في كنف الشاشات، لا ناقة لهم في السياسة ولا جمل في الخرافة، فتم استغلال إحباطهم الاجتماعي لركوب موجة الهجرة والتمرد.
لقد رأينا جميعاً كيف كان “الذباب الإلكتروني” التابع للجماعة ينفخ في رماد أحداث الفنيدق الأخيرة؛ يدفعون بأبناء الشعب المستضعفين نحو الصدام المباشر مع القوات العمومية ونحو الموت في قاع البحر، بينما أبناء القيادات يتابعون دراساتهم في جامعات كندا وفرنسا، ويتنعمون في الفيلات المظللة. إنها قمة النذالة السياسية! يشعلون الحرائق في أجساد أبناء البسطاء، ثم يطفئونها بدموع التماسيح في بياناتهم التنديدية المكتوبة بعناية.
ويزداد المشهد سخرية سوداء حين نصل إلى الوقاحة المفرطة في الجانب الأخلاقي. في وضح النهار، يصدعون رؤوسنا بمجالس النصيحة، وادعاء الطهارة، وغض البصر، وعندما يسدل الليل ستاره، تطفو على السطح الفضائح الأخلاقية لقيادييهم؛ في السيارات مع المطلقات، وفي الخلوات غير الشرعية. وحين تضبطهم الكاميرات أو يقعون في قبضة الأمن متلبسين، يتباكون ويلعبون دور الضحية هاتفين: “إنها مؤامرة المخزن”!
يا سبحان الله! هل “المخزن” هو من حشركم في تلك السيارات في الأماكن النائية؟ هل “المخزن” هو من أمركم بممارسة التعدد السري وقراءة “الفاتحة” في الظلام الدامس تحايلاً على القانون وانتهاكاً لمدونة الأسرة؟
هذه الازدواجية المقيتة هي التي جعلت التنظيم يعيش حالة من “الشيزوفرينيا” الحادة. يسبون الدولة ويأكلون غلتها، يكفرون المؤسسات ويستفيدون من رواتبها وامتيازاتها، يتباكون من القمع وهم يديرون ميليشيات فكرية تمارس الإرهاب الرقمي وحملات التبليغ الممنهجة ضد كل حر تسول له نفسه كشف حقيقتهم أو معارضة خزعبلاتهم.
خلاصة القول، إن “فراقشية” السياسة والدين هؤلاء، الذين ينتظرون “القومة” الموعودة، لا يقومون في الواقع إلا بعملية سطو مع سبق الإصرار والترصد على عقول الشباب وجيوب الأتباع. لكن المغاربة، الذين خبروا لصوص المواشي الحقيقيين وعرفوا حيلهم المتوارثة، من المستحيل أن يتركوا عقولهم مرتعاً لمن هب ودب، حتى وإن تدثر بعباءة التقوى وحمل مسبحة الإحسان. من أراد ممارسة السياسة فلينزل إلى الميدان بوجه مكشوف ودون أقنعة، ومن أراد بيع الوهم، فليعلم أن سوق الخرافة قد أُغلق وأعلن إفلاسه منذ زمن بعيد!
