كشفت المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، خصوصاً نتائج البحث الوطني حول الأسرة 2025، عن تحوّل اجتماعي وديمغرافي عميق يمسّ واحدة من أكثر المؤسسات مركزية في المجتمع المغربي: الأسرة. أرقام هذا التحول لا تُقرأ كمعطيات إحصائية معزولة، بل كمؤشرات على إعادة تشكيل هادئة ولكن مستمرة لنمط العيش والعلاقات الاجتماعية.
وفق هذه النتائج، يصرح أكثر من 51,7% من العزاب المغاربة بعدم رغبتهم في الزواج، وهي نسبة تعكس تغيراً لافتاً في تمثلات الشباب تجاه مؤسسة الزواج، لم يعد مرتبطاً فقط بالعوائق المادية، بل أيضاً بتحول في الأولويات ونظرة جديدة لطبيعة الالتزام الأسري. كما تشير المعطيات إلى ارتفاع واضح في سن الزواج الأول، حيث يبلغ في المتوسط حوالي 33 سنة لدى الرجال و26 سنة لدى النساء، ما يعني تمدد مرحلة العزوبة وتأجيل الاستقرار الأسري إلى مراحل عمرية متأخرة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقود.
في السياق نفسه، تؤكد المؤشرات الديمغرافية أن المغرب دخل مرحلة انخفاض الخصوبة، إذ تراجع معدل الإنجاب إلى حدود 1,97 طفل لكل امرأة، أي دون عتبة تعويض الأجيال المحددة في 2,1. هذا المعطى يحمل دلالة عميقة تتجاوز الجانب الإحصائي، إذ يعكس بداية تحول في الهرم السكاني واتجاه المجتمع نحو تباطؤ في النمو الطبيعي للسكان على المدى البعيد.
بالتوازي مع ذلك، تتواصل عملية إعادة تشكيل بنية الأسرة، حيث تتراجع الأسرة الممتدة بشكل تدريجي لصالح الأسرة النووية، مع اتساع نمط الأسر الصغيرة التي تعتمد على الاستقلال السكني والمعيشي، في تحول يعكس انتقالاً من منطق التضامن العائلي الواسع إلى منطق الوحدة الأسرية المحدودة.
هذه التحولات لا يمكن فهمها دون العودة إلى جملة من الأسباب المتداخلة. العامل الاقتصادي يبرز في الصدارة، حيث أصبحت كلفة الزواج والاستقرار الأسري مرتفعة بشكل كبير، سواء من حيث السكن أو المعيشة أو متطلبات تأسيس بيت مستقل. هذا الوضع جعل فئة واسعة من الشباب تعتبر الزواج مشروعاً مؤجلاً يرتبط بتحقيق شروط مادية مسبقة، وليس خطوة تلقائية في المسار الاجتماعي.
إلى جانب ذلك، يتنامى تأثير التحولات الثقافية والقيمية، حيث أصبح الزواج يخضع لمنطق الاختيار الفردي بدل الضرورة الاجتماعية. الأجيال الجديدة تعطي وزناً أكبر للاستقلال الذاتي والاستقرار المهني والنفسي، ما أدى إلى إعادة تعريف مفهوم الالتزام الأسري نفسه، في سياق يتسم بتوسع التعليم، التحضر، وتغير أنماط العيش.
كما أن التحولات داخل البنية الأسرية نفسها ساهمت في هذا المسار، من خلال تراجع دور الأسرة الممتدة في التوجيه والوساطة، وتراجع الضغط الاجتماعي التقليدي المرتبط بالزواج، إضافة إلى ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأولى من الزواج، وهو ما أثر على صورة الزواج في المخيال الاجتماعي وجعله أقل استقراراً في نظر فئات من الشباب.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بمجرد تراجع في معدلات الزواج أو انخفاض في الخصوبة، بل بتحول بنيوي يمسّ شكل الأسرة المغربية ووظيفتها داخل المجتمع. مجتمع يتجه نحو أسر أصغر وأكثر استقلالية، ونحو أنماط اجتماعية جديدة تعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والأسرة والدولة.
هذا التحول، بما يحمله من أبعاد ديمغرافية واجتماعية واقتصادية، يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل النموذج الأسري في المغرب، وقدرة السياسات العمومية على مواكبة تغيرات تتسارع بوتيرة تفوق أحياناً سرعة التكيّف المؤسسي معها.
