في القنيطرة، صارت بعض الجمعيات مثل “طيور” الديكور : جميلة على الرف، لكنها عاجزة عن الطيران. ملايين الدراهم تصرف سنويًا على مشاريع “مدعومة” من الجماعة، تصل أحيانًا إلى عشرة ملايين، لكن عند التحقق نجد أن الشارع لم يشعر بأي أثر، والحياة اليومية لم تتغير، لا في النظافة، ولا في الخدمات، ولا حتى في شعور المواطن أن هناك من يسعى لتحسين وضعه.
بعض المشاريع تنتهي بمجرد نشاط حضره “عشرات الأشخاص”، وكأننا أمام حفل عائلي صغير وليس مشروعًا ممولًا من المال العام. البعض الآخر لا يترك أثرًا سوى منشورات على فيسبوك وصور تلتقط لحظات قصيرة، تُظهر جمعيات وكأنها تشتغل، بينما الحقيقة أن هذه الأنشطة لم تعدو كونها مكاسب شخصية لأعضاء الجمعية، لا أثر مجتمعي حقيقي.
ولكن، لحظة، لننتقل إلى الجزء الأكثر قتامة في المسرحية: الصمت. نعم، صمت غريب، مصطنع، يبدو أن البعض أصبح يعتقد أن صمته هو شرط ضمني للاستمرار في قائمة المستفيدين من الدعم. أزمة النظافة، الكلاب الضالة، مشاكل المرافق، الانارة، البنية التحتية.. كل هذه الكوارث لا تجد من يجرؤ على انتقاد الجماعة أو رفع الصوت، ولولا تدخل عامل إقليم القنيطرة وإشرافه المباشر على مجموعة من المشاريع، لأصبحت القنيطرة مدينة بلا روح .
الصمت هنا ليس مجرد خيار، بعض الجمعيات إعتمدته كعملة: مال مقابل “التطبال”، دعم مقابل التزام صامت، أحيانًا يبدو أن بعض الجمعيات تتقن فنّ التصفيق أكثر من فن إدارة المشاريع.
هذا ليس نقدًا للجهود الفردية، فالقليل جدًا من الجمعيات يشتغل حقًا بمنطق مؤسساتي، بخطة واضحة، وبأثر ملموس، وببرامج ثقافية ورياضية لها اثر بالغ، لكن الأغلبية؟ أرقام بلا روح، مشاريع بلا قيمة، وجمعيات تصطف في طابور الدعم مثل المتسولين على أبواب الجماعة، تنتظر كل سنة موسم الصرف السنوي لتعيد نفس الطقوس دون أي تقدم.
الدعم المالي الذي يقدمه المال العام ليس مكرمة، ولا أوسمة، ولا عونًا موسميًا يُهدى كهدية. هذا المال يقتضي مسؤولية، شفافية، وأثرًا ملموسًا. ويجب أن يُسائل المستفيذ: هل أنجزت المشاريع كما هو في دفتر التحملات؟ هل صرفت الأموال في ما خصصت له فعلاً؟ هل هناك أثر على حياة المواطنين؟
القنيطرة اليوم ليست بحاجة إلى جمعيات تصطف لتصفق، ولا لمجتمع مدني أصبح واجهة زائفة لأرقام وملفات. المدينة بحاجة إلى من يجرؤ على السؤال، إلى من يراقب، إلى من يضغط من أجل الصالح العام. الدعم بلا أثر، والصمت مقابل المال، هو انتهاك مزدوج: انتهاك للمال العام، وانتقاص من دور المجتمع المدني الحقيقي.
باختصار، ما يحدث اليوم في القنيطرة هو هدر للمال، هدر للثقة، وهدر لروح المجتمع المدني. وإذا استمر الحال كما هو، ستتحول هذه الجمعيات من أدوات للتغيير إلى مجرد أداة إعلامية لتلميع صورة السياسيين، بينما المواطن يظل يراقب من بعيد، يسأل، ويزداد إحباطه.
